ملا محمد مهدي النراقي

211

جامع السعادات

وإصلاح الملائكة بعضهم ببعض إلى أن ينتهي إلى حضرة الربوبية ، التي هي ينبوع كل نظام ، ومطلع كل حسن وجمال ، ومنشأ كل ترتيب وتأليف وقد ظهر مما ذكر : إن من فتش يعلم أن رغيفا واحدا لا يستدير بحيث يصلح للأكل ما لم يعمل عليه آلاف ألوف من الملائكة وصناع الإنس . فصل تسخير الله التجار لجلب الطعام ثم جميع الأطعمة لما لم يمكن أن يوجد في كل مكان وبلد ، إذ لكل واحد شروط مخصوصة لأجلها ، لا يمكن إلا أن يوجد في بعض الأماكن دون بعض ، والناس منتشرون على وجه الأرض ، وقد يبعد عنهم بعض ما يحتاجون إليه من الأطعمة ، بحيث تحول بينهم وبينها البراري والبحار ، فسخر الله - تعالى - التجار ، وسلط عليهم حرص المال وشره الربح حتى يقاسوا الشدائد ، ويركبوا الأخطار في قطع المفاوز وركوب البحار فيحملون الأطعمة وأنواع الحوائج من الشرق إلى الغرب ومن الغرب إلى الشرق . فانظر كيف علمهم الله صناعة السفن وكيفية الركوب فيها ، وكيف خلق الحيوانات وسخرها للحمل والركوب في البوادي والجبال من الجمال وكيفية قطعها البراري والمراحل تحت الأعباء الثقيلة وصبرها على الجوع والعطش ، ومن الخيل وكيفية سرعته سيرها وحركتها ، ومن الحمار وصبره على التعب وانظر كيف خلق الله ما يحتاج إليه السفن وهذه الحيوانات من الأسباب والغذاء ، وينتهي إلى حد لا يمكن تحديده . فصل نعم الله في خلق الملائكة للانسان ثم مجرد وجود الغذاء وحضوره وإصلاحه لا يفيد فائدة ما لم يؤكل ويصير جزء للبدن . وهذا موقوف على أعمال كثيرة ، محتاجة إلى أسباب كثيرة ، من الطحن ، والجذب ، والهضم المعدي والكبدي ، وغير ذلك من الأفعال التي يحتاج كل منه إلى أسباب كثيرة . وقد أشرنا إلى لمعة من كيفية ذلك في باب التفكر ، فرجع إليه . وهنا تشير إلى أنموذج من نعمة الله في خلق الملائكة . فنقول :