ملا محمد مهدي النراقي

209

جامع السعادات

كالأعضاء له ، وهي متفاوتة تفاوت أعضاء البدن ، وشرح ذلك ليس في مقدرة البشر وكلها مسخرات لله سبحانه ، وآثار من قدرته الكاملة ، ورشحات من أبحر عظمته الباهرة ، وليست في أنفسها إلا أعدام صرفة . فأرباب القلوب العارفون بالله المحبون له ، إذا نظروا إلى ملكوت السماوات والأرض ، والآفاق والأنفس ، والحيوانات والنباتات ، لا ينظرون إليها إلا من حيث أنها آثار قدرة ربهم ، ورشحات صفاته ، ويكون تفكرهم وسعيهم في العثور على عجائبها وحكمها ، وابتهاجهم وشغفهم لأجل ذلك . كما أن من أحب عالما لم يزل مشغوفا بطلب تصانيفه ، فيزداد بمزيد الوقوف على عجائب علمه حبا له . فكذلك الأمر في عجائب صنع الله ، فإن العالم كله من تصنيفه تعالى ، بل جميع المصنفين أيضا من تصنيفه الذي صنفه بواسطة قلوب عباده . فإن تعجبت من تصنيف ، فلا تتعجب من المصنف ، بل من الذي سخر المصنف لتأليفه بما أنعم عليه من هدايته وتسديده وتعريفه . كما إذا رأيت لعب المشعوذ ( 14 ) يترقص ويتحرك حركات موزونة متناسبة ، فلا تتعجب من اللعب ، فإنها خرق محركة لا متحركة ، ولكن تعجب من حذق المشعوذ المحرك لها بروابط دقيقة عن الأبصار . وقد ظهر أن غذاء النبات لا يتم إلا بالماء والهواء والشمس والقمر والكواكب ، ولا يتم ذلك إلا بالأفلاك التي هي مركوزة فيها ، ولا تتم الأفلاك إلا بحركاتها ، ولا تتم حركاتها إلا بملائكة سماوية يحركونها ، وكذلك تتسلسل الأسباب إلى أن تنتهي إلى مسبب الأسباب وغاية الكل ، وليس لنا سبيل إلى إدراك تفاصيلها واستنباط عجائب حكمها ودقائق مصالحها . فصل حاجة تحضير الطعام إلى آلاف الأسباب ثم ما ينبت من الأرض من النبات ، وما يحصل من الحيوانات ، لا يمكن أن تقضم وتؤكل كذلك ، بل لا بد في كل واحد من إصلاح وطبخ وتركيب وتنظيف ، بإلقاء البعض وإبقاء البعض ، إلى غير ذلك من الأعمال التي لا تحصى ، وكل من الأطعمة يتوقف إصلاحها على أمور خاصة كثيرة ،

--> ( 14 ) المشعوذ : الرجل الحيال الذي يصنع الشعبذة .