ملا محمد مهدي النراقي
200
جامع السعادات
لذاتها أيضا أم لا . وهي تنقسم إلى أربعة أقسام : القسم الأول - وهو الأقرب الأخص : الفضائل النفسية المذكورة في هذا الكتاب ، ويجمعها العلم والعفة والشجاعة والعدالة ، وهذه مع كونها لذيذة في نفسها ، تكون وسيلة إلى النعمة التي هي غاية الغايات بلا توسط وسيلة أخرى . ولذلك قلنا : هي أقرب الوسائل وأخصها . وأشرفها العلم وأشرف أفراد العلم : العلم بالله وصفاته وملائكته ورسله ، وأحوال النشأة الآخرة ، وسائر أفعاله ، وعلم المعاملة الراجع إلى علم الأخلاق ، إذ هو الذي يؤدي إلى السعادة الحقيقية بلا توسط شئ آخر ، وسائر العلوم إنما هي مقصودة من حيث كونها وسائل إلى هذا العلم ، وهذه الفضائل لذيذة في الدنيا والآخرة نافعة فيهما ، أي تؤدي إلى الراحة فيهما ، وجميلة على الإطلاق ، أي تستحسن في جميع الأحوال . ضدها - أعني الجهل والأخلاق السيئة - ضارة مؤلمة في الدارين ، قبيحة على الإطلاق . وسائر الصفاة ليست جامعة لهذه الأوصاف . فإن أكل لذائذ الأطعمة وطيباتها يوجب اللذة والنفع ، أي حصول الراحة في الحال ، ولكنه ضار في المال ، وترك الشهوات بعكس ذلك . ثم لذة المعرفة وفضائل الأخلاق دائمة لازمة لا تزول أبدا ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وعقلية يختص بإدراكها العقل دون سائر الحواس . وأما غيرها من اللذات ، فبعضها مما يشترك فيه الإنسان وبعض الحيوانات ، كلذة الرئاسة والغلبة والاستيلاء ، وهذه اللذة موجودة في الأسد والنمر وبعض أخر من الحيوانات وبعضها مما يشترك فيه الإنسان وسائر الحيوانات ، كلذة البطن والفرج وهي أخس اللذات ولذلك اشترك فيها كلما ما دب ودرج ، حتى الديدان والحشرات . فمن جاوز هذه اللذة ، تشبثت به لذة الغلبة والاستيلاء ، فإن جاوزها أيضا ارتقى إلى اللذة العقلية ، فصار أقرب اللذات عليه لذة المعرفة ، لا سيما لذة معرفة الله ومعرفة صفاته وأفعاله . وهذه مرتبة الصديقين ، ولا ينال تمامها إلا بخروج حب الرئاسة من القلب ، وآخر ما يخرج من رؤس الصديقين حب الرئاسة والجاه ، ولذلك قمعها بالكلية ، بحيث لا يقع بها الاحساس قط ، يشبه أن يكون