ملا محمد مهدي النراقي

201

جامع السعادات

خارجا عن مقدرة البشر . نعم ربما غلبت لذة المعرفة في أحوال ، بحيث لا يقع معها الاحساس بلذة الجاه والرئاسة ، إلا أن ذلك لا يدوم ، بل تعتريه الفترات ، فتعود إلى الحالة البشرية . وعلى هذا تنقسم القلوب إلى أربعة أقسام : لا يحب إلا الله ، ولا يستريح إلا إليه ، وليس فرحه إلا بزيادة المعرفة والفكر فيه ، ولا يسكن إلا بحبه وأنسه ، وقلب : أغلب أحواله الأنس بالله والتلذذ بمعرفته والفكر فيه ، ولكن في بعض الأوقات والأحوال يعتريه الرجوع إلى أوصاف البشرية . وقلب : أغلب أحواله التلذذ بالجاه والرئاسة والمال وسائر الشهوات البدنية ، وفي بعض الأوقات يتلذذ بالعلم والمعرفة وحب الله والأنس به . وقلب : لا يدري ما لذة المعرفة وما معنى الأنس بالله ، وإنما لذته بالرئاسات والشهوات . والأول - أن كان ممكنا في الوجود فهو في غاية الندور . والثاني - أيضا نادر . والسر في ندور هذين القسمين : أن من انحصرت لذاته بمعرفة الله وحبه وأنسه ، أو غلب عليه ذلك ، فهو من ملوك الآخرة ، والملوك هم الأقلون ولا يكثرون فكما لا يكون الفائق في الملك والاستيلاء في الدنيا إلا نادرا ، وأكثر الناس دونهم ، فكذا في ملك الآخرة فإن الدنيا مرآة الآخرة . إذ الدنيا عالم الشهادة وفي الآخرة عالم الغيب ، وعالم الشهادة تابع لعالم الغيب ، كما إن الصورة في المرآة تابعة لصورة الناظر في المرآة ، وهي وإن كانت الثانية في رتبة الوجود ، إلا أنها في أمر الرؤية أولى ، لأنك ترى صورتك في المرآة أولا ، ثم ترى نفسك ، فتعرف بالصورة القائمة بالمرآة صورتك التي هي قائمة بك ثانيا على سبيل المحاكاة ، فانقلب التابع في الوجود متبوعا في حق الرؤيا والمعرفة ، وانقلب المتأخر متقدما . وهذا النوع من الانعكاس والانتكاس ضرورة هذا العالم . وكذا عالم الملك والشهادة يحاكي عالم الغيب والملكوت ، فمن الناس من لا ينظر في مرآة عالم الشهادة إلا بنظر الاعتبار ، فلا ينظر في شئ من عالم الملك إلا ويعبر به إلى عالم الملكوت ، فيسمى عبوره عبرة ، وقد أمر الخلق به ، فقيل : ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) 11

--> ( 11 ) الحشر الآية : 2