ملا محمد مهدي النراقي
20
جامع السعادات
التصوف ولا شيئا من مراسم الدين ، وصرفوا أوقاتهم في التكدي والسؤال من الناس ، ويظنون أنهم تاركون للدنيا مقبلون على الآخرة ، مع أنهم لو ظفروا بشئ من أمور الدنيا لأخذوه بجميع جوارحهم ، فهؤلاء أرذل الناس بوجوه كثيرة لا تخفى . ( ومنهم ) من أغتر بالزي ، والمنطق وليس الصوف ، وإطراق الرأس وإدخاله في الجيب . وخفض الصوت ، وتنفس الصعداء ، وتحريك البدن في الطول والعرض ، والسقوط إلى الأرض ، ( لا ) سيما إذا سمعوا كلاما في الوحدة والعشق ، مع عدم اطلاعهم على حقيقة شئ منها . وربما تجاوز بعضهم من ذلك إلى الرقص والتصفيق ، وإبداء الشهيق والنهيق ، واختراع الأذكار ، والتغني بالأشعار . . . وغير ذلك من الحركات القبيحة والهيئات الشنيعة ، ويظن أن العبد بهذه الحركات والأفعال يصل إلى الدرجات العالية ، ولم يعلم المغرور أنها تقرب العبد إلى سخط الله وعذابه . ( ومنهم ) من وقع في الإباحة ، وطوى بساط الشرع والأحكام ، وترك الفصل بين الحلال والحرام ، يتكالب على الحرام والشبهات ، ولا يحترز عن أموال الظلمة والسلاطين . وربما قال : المال مال الله والخلق عيال الله ، فهم فيه سواء . وربما قال : أن الله مستغن عن عملي ، فأي حاجة إلى أن أتعب نفسي فيه ؟ وربما قال : لا وزن لأعمال الجوارح ، وإنما النظر إلى ، القلوب ، وقلوبنا والهة إلى حب الله واصلة إلى معرفة الله . وربما خاضوا في الشهوات الدنيوية ، وقالوا : إنها لا تصدنا عن طريق الله . لقوة نفوسنا وقوة أقدامنا فيها ، وإنما يحتاج العوام إلى تهذيب النفس بالأعمال . البدنية ، ونحن مستغنون عنه . فهؤلاء يرفعون درجتهم عن درجة الأنبياء عليهم السلام إذ كانوا يصرحون بأن ارتكاب الأمور المباحة فضلا عن الخطايا والمعاصي يصدهم عن طريق الله ، حتى يبكون سنين متوالية على ترك الراجح وفعل المرجوح ، فهم أشد الناس غرورا ، وأعظم الخلق حماقة وجهلا . ( ومنهم ) من يدعي غاية المعرفة واليقين والوصول إلى درجات المقربين ، ومشاهدة المعبود ، ومجاورة المقام المحمود ، والملازمة في عين الشهود ، وتلقف من الطامات كلمات يرددها ، ويظن أنه يتكلم عن الوحي