ملا محمد مهدي النراقي

21

جامع السعادات

ويخبر عن السماء ، وينظر إلى العباد والفقهاء والمحدثين وسائر أصناف العلماء بعين الحقارة والازدراء ، يقول في العباد : إنهم أجراء مبعوثون ، وفي العلماء : إنهم بالحديث عن الله لمحجوبون ، ويدعي لنفسه من الكرامات ما لا يدعيه نبي ولا ولي ، ويدعي كونه واصلا إلى الحق فارغا عن أعباء التكليف ، لا علما أحكم ولا عملا هذب ، لم يعرف من المعارف إلا أسماء يتفوه بها عند الأغنياء للوصول إلى بعض حطامهم الخبيثة ، فهو عند الله من الفخار المنافقين ، وعند أرباب القلوب من الحمقى الجاهلين مع ظنه أنه من المقربين ، فهو أشد الغافلين المغرورين . و ( منهم ) ملامية يرتكبون قبائح الأعمال وشنائع الأفعال الموجبة للعبد عن طريق المروة ، ظنا منهم أن هذا موجب لكسر النفس وإزالة ذمائم الأخلاق ، ولم يعلموا أن هذه الأفعال من الذمائم ، وقد نهى صاحب الشرع عنه . ومنهم ( من أشتغل بالرياضة والمجاهدة ، فقطع بعض المنازل ، ووصل إلى بعض المقامات على قدر سعيه ومجاهدته ، إلا أنه لم يتم سلوكه وانقطع عن سائر المقامات إما لاعتراض مفسد في أثناء السلوك ، أو لوقوعه في الأثناء ظنا منه أنه وصل إلى الله ولم يصل بعد ، فإن لله سبعين حجابا من نور ، ولا يصل السالك إلى حجاب من تلك الحجب في الطريق إلا ويظن أنه قد وصل ، وإليه الإشارة في حكاية الخليل ، حيث رأى أولا كوكبا ، فقال : ( هذا ربي ) ، ثم انتقل إلى القمر ، ثم عنه إلى الشمس ، فإنه ليس المراد بالكوكب والقمر والشمس هذه الأجسام المضيئة ، فإن شأن مثل الخليل أعظم من أن يظن كونها آلهة ، بل هذا ينافي شأنه ورتبته ، فالمراد بها الأنوار التي هي من حجب الله ، ويراها السالك في الطريق ، ولا يتصور الوصول إلى الله إلا بالوصول إلى هذه الحجب ، وهي حجب من النور بعضها أعظم من بعض ، فاستعير لفظ الكوكب لصغره لأقل مراتبها ، والقمر لأوسطها ، والشمس لأعظم مراتبها ، والخليل ( ع ) لم يزل عند سيره في الملكوت يصل إلى نور بعد نور ، ويتخيل إليه في أول ما يلقاه أنه قد وصل ، ثم انكشف له أن وراءه أمر ، فيترقى إليه حتى وصل إلى