ملا محمد مهدي النراقي

197

جامع السعادات

بخصوصها - كالمرآة لا لون لها وتحكي كل لون ، وكالحرف لا معنى لها في نفسها بل تظهر لها المعاني في غيرها ، وكذلك النقدان ، لا غرض فيهما مع كونهما وسيلة إلى كل غرض . فالحكمة في خلقهما أن يحكما بين الأموال بالعدل ، وتعرف بهما المقادير المختلفة ، وتقوم بهما الأشياء المتباينة ، ويحصل التوسل بهما إلى سائر الأموال . فيلزم إطلاقهما لتداولهما الأيدي ، وتحصل بهما التسوية في تبادل الأعيان والمنافع المتخالفة ، فمن ادخرهما وحبسهما فقد ظلمهما ، وأبطل الحكمة فيهما ، وكفر نعمة الله فيهما ، وكان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن ، ومن لم يدخرهما ولم يتصرف أزيد مما يحصل به التوصل إلى ما يحتاج ، وأنفق الزائد في سبيل الله ، فهو الذي استعملهما على وفق الحكمة وشكر نعمة الله فيهما . ولما عجز أكثر الناس عن قراءة الأسطر الإلهية المكتوبة على صفحاتها في فائدتهما وحكمتهما بخط إلهي لا حرف فيه ولا صوت ، أخبرهم الله عن ذلك بقوله : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ) 9 وبما ذكرنا من وجه الحكمة فيهما ، يظهر أن من أتخذ الأواني منهما فقد كفر نعمة الله فيهما أيضا ، وكذا من عاملة معاملة الربا فيهما فقد كفر النعمة وظلم ، لأنها أنما خلقا لغيرهما لا لأنفسهما ، إذ لا غرض في عينيهما ، فإذا أتجر في عينهما فقد اتخذهما مقصودا لأنفسهما على خلاف وضع الحكمة ، وكذلك الحكمة في خلق الأطعمة أن يتغذى بها فلا ينبغي أن تصرف عن جهتها وتقيد في الأيدي ، بل اللازم أن تخرج عن يد المستغني عنها إلى المحتاج . ولذا ورد في الشرع حرمة الاحتكار والمنع عن معاملة الربا في الأطعمة ، لأن ذلك يوجب صرفها عن الحكمة المقصودة منها . وإذا عرفت ذلك ، فقس عليه جميع أفعالك وأعمالك وحركاتك وسكناتك ، فإن كل فعل يصدر منك أما شكر أو كفران لا يتصور أن ينفك عنهما ، مثلا لو استنجيت باليمين ، فقد كفرت نعمة اليدين ، إذ خلق الله اليدين وجعل

--> ( 9 ) التوبة ، الآية : 35