ملا محمد مهدي النراقي

198

جامع السعادات

إحداهما أقوى ، واستحق الأقوى لرجحانه التفضيل ، وتفضيل الناقص عليه عدول عن العدل ، وهذا التفضيل إنما يتصور بأن تصرف الأقوى في الأفعال الشريفة ، كأخذ المصحف وأكل الطعام ، وتصرف الأضعف في الأعمال الخسيسة ، كإزالة النجاسة ، فمن خالف ذلك فقد عدل عن العدل وأبطل الحكمة وكفر النعمة ، وكذلك إذا لبست خفك فابتدأت باليسرى فقد ظلمت ، لأن الخف وقاية للرجل ، فللرجل فيه حظ ، والبداءة في الحظوظ ينبغي أن تكون بالأشرف ، وهو العدل والعمل على وفق الحكمة ، فخلافه ظلم وكفران . وكذلك إن استقبلت القبلة عند قضاء الحاجة ، فقد كفرت نعمة الله في خلق الجهات وخلق سعة العالم ، لأنه خلق الجهات متعددة متسعة ، وشرف بعضها بأن وضع فيه بيته ، فينبغي استقباله بالأفعال الشريفة ، كالصلاة والجلوس للذكر والاغتسال والوضوء دون الأفعال الخسيسة ، كقضاء الحاجة ورمي البزاق ، فمن قضى حاجته أو رمى بزاقه إلى جهة القبلة فقد ظلمها وكفر نعمة الله . وكذلك من كسر غصنا من شجرة من غير حاجة مهمة ، ومن غير غرض صحيح ، فقد كفر نعمة الله في خلق الأشجار وفي خلق اليد . أما اليد فلأنها لم تخلق للعبث ، بل للطاعة المعينة عليها . وأما الشجر ، فلأن الله تعالى خلقه ، وخلق له العروق وساق إليه الماء ، وخلق فيه قوة الاغتذاء والنماء ليبلغ منتهى نشوه فينتفع به عباده ، فكسره قبل منتهى نشوه لأعلى وجه ينتفع به عباده ، مخالفة المقصود الحكمة وعدول عن العدالة . نعم أن كان له غرض صحيح في كسره فله ذلك . إذ الشجر والحيوان جعلا فداءين لأغراض الإنسان ، فإنهما جميعا فانيان هالكان . فإفناء الأخس في بقاء الأشرف مدة ما أقرب إلى العدل من تضييعهما جميعا . وإليه الإشارة بقوله تعالى : ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ) 10 ثم هذه الأفعال المتصفة بالكفران ، بعضها يوجب نقصان القرب وانحطاط المنزلة ، وبعضها يخرج بالكلية عن حدود القرب إلى عالم البعد

--> ( 10 ) الجافية الآية : 12