ملا محمد مهدي النراقي
186
جامع السعادات
وأما الجالس في بيته التارك لكسبه ، يعبد الله من دون طلب ، فهو أيضا قد ترك متابعة أمر الله . قال الصادق ( ع ) : ( إن من يقوته أشد عبادة منه ) وربما يكون مثله كلا على الناس ، فإن حاله ينادي بالبؤس واليأس ، بل هو ضرب على تواطن الناس وتعرض للذل . وبالجملة لا مدخل لخفاء الأسباب وجلائها في التوكل ، بعد ما تقرر أن معناه الثقة بالله وحده لا بالأسباب ، فسواء وجود الأسباب وفقدها وجلاؤها وخفاؤها . فصل طريق تحصيل التوكل الطريق إلى تحصيل التوكل - بعد تقوية التوحيد والاعتقاد ، بأن الأمور بأسرها مستندة إليه سبحانه ، وليس لغيره مدخلية فيها - أن يتذكر الآيات والأخبار المذكورة الدالة على فضيلته ومدحه ، وكونه باعث النجاة والكفاية ، ثم يتذكر أن الله - سبحانه - خلقه بعد أن لم يكن موجودا وأوجده من كتم العدم ، وهيأ له ما يحتاج إليه ، وهو أرأف بعباده من الوالدة بولدها ، وقد ضمن بكفايته من توكل عليه ، فيستحيل أن يضيعه بعد ذلك ولا يكفيه مؤنته ، ولا يوصل إليه ما يحتاج ، ولا يدفع عنه ما يؤذيه ، لتقدسه من العجز والنقص والخلف والسهو . وينبغي أن يتذكر الحكايات التي فيها عجائب صنع الله في وصول الأرزاق إلى صاحبها وفي دفع البلايا والأسواء عن بعض عبيده ، والحكايات التي فيه عجائب قهر الله في إهلاك أموال الأغنياء وإذلال الأقوياء ، وكم من عبد ليس له مال وبضاعة ويرزقه الله بسهولة ، وكم من ذي مال وثروة هلكت بضاعته أو سرقت وصار محتاجا ، وكم من قوي صاحب كثرة وعدة وسطوة صار عاجزا ذليلا بل سبب ظاهر ، وكم من ذليل عاجز صار قويا واستولى على الكل . ومن تأمل في ذلك ، يعلم أن الأمور بيد الله فيلزم الاعتماد عليه والثقة به . والمناط أن يعلم أن الأمور لو كانت بقدرة الله - سبحانه - من غير مدخلية للأسباب والوسائط فيها ، فعدم التوكل عليه - سبحانه - والثقة بغيره غاية الجهل ، وإن كانت لغيره - سبحانه من الوسائط والأسباب مدخلية ، فالتوكل من جملة أسباب الكفاية وإنجاح الأمور ، إذ السمع