ملا محمد مهدي النراقي
185
جامع السعادات
لصاحب العلم المكنون من الأنبياء والأولياء ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . ومنهم : من لم يبلغ قوة إيمانه ويقينه حدا تغيب عن نظره الأسباب والوسائط ، ويكون مقصور الالتفات إلى جانب الحق . فهذا هو الذي لا ينبغي له أن يعرض عن الأسباب ويتركها ، لأن مثله ليس له المظنة التي توصله إلى المقصد بدون الوسائط : أعني قوة التوكل على الله واليقين به سبحانه فصل تفنيد زعم بعض الناس زعم : أن حق التوكل أن يكتفي بالأسباب الخفية عن الأسباب الجلية ، كأن يسافر في البوادي التي لا يطرقها الناس بغير زاد بعد أن راض نفسه على جوع الأسبوع وما يقاربه ، بحيث يصبر عنه من غير ضيق قلب ، واضطراب نفس ، وتشويش خاطر وفتور في ذكر الله ، وبعد أن يكون بحيث يقوى على التقوت بالحشيش وما يتفق له ، وأن يوطن نفسه على أنه مات جوعا كان خيرا له في الآخرة وكأن يجلس في مسجد أو بيته ويترك الكسب ، ويتفرغ للعبادة والفكر والذكر ، واستغراق وقته بها ، بحيث لا يستشرف نفسه إلى الناس في انتظاره ومن يدخل فيحمل إليه شيئا ، بل يكون قوي القلب في الصبر والاتكال على الله . وهذا محض الخطأ ، إذ من جاهد نفسه وراضها بحيث يصبر على جوع الأسبوع ، ويمكنه التقوت بالحشيش ، صارت الأسباب له جليه فإن عدم الحاجة أحد الغنائين . ثم إن كان اعتماده - حينئذ - على صبره وتمكنه من التقوت بالحشيش ، فأين التوكل ؟ وإن كان وثوقه بالله وحده فليقم في بلده مع الأسباب ، كما أمر الله به في الشرع . وأما توطين نفسه باختياره على الموت ، فممنوع عقلا ، ومحرم شرعا . قال الله - سبحانه - : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة )
--> ( 41 ) البقرة الآية 195 .