ملا محمد مهدي النراقي

184

جامع السعادات

يموت ولم يأته رزق ، فقال : يا رب ! إن أحييتني فأتني برزقي الذي قسمت لي ، وإلا فاقبضني إليك . فأوحى الله تعالى إليه : وعزتي وجلالي لا أرزقك حتى تدخل الأمصار ، وتقعد بين الناس . فدخل المصر فأقام ، فجاء هذا بطعام ، وهذا بشراب ، فأكل وشرب فأوجس في نفسه ذلك ، فأوحى الله له : أردت أن تذهب حكمتي بزهدك في الدنيا : أما علمت أني أرزق عبدي بأيدي عبادي أحب إلي من أن أرزقه بيد قدرتي لا ) فصل درجات الناس في التوكل إعلم أن درجات الناس - كما عرفت - في التوكل مختلفة ، بحسب تفاوت مراتبهم في قوة اليقين وضعفه ، وفي قوة التوحيد وضعفه : فمنهم : من كمل إيمانه ويقينه ، بحيث سقط وثوقه عن الأسباب بالكلية ، وتوجه بشراشره إلى الواحد الحق ، ولا يرى مؤثرا إلا هو ، وليس نظره إلى غيره أصلا ، وقلبه مطمئن ساكن بعنايته بحيث لا يختلج بباله احتمال أن يكله ربه إلى غيره ، ولا يعتري نفسه اضطراب أصلا . فلا بأس لمثله أن يعرض عن الأسباب المقطوعة أو المظنونة بالكلية ، لأن الله سبحانه يحفظه ويحرسه ويصلح أموره ، ويرزقه من حيث لا يحتسب ، سواء حصل الأسباب أم لا ، وسواء كسب أم لم يكتسب ، إلا أنه ربما لم يترك السبب والكسب ويتبع أمر الله فيه ، إلا أنه ليس وثوقه إلا بالله دون السبب والكسب . وما ورد من حكايات بعض الكمل من الأولياء ، من أنهم يسافرون في البوادي التي لا يطرقها الناس بغير زاد ثقة بالله ، ويصل إليهم الرزق ، أو لا يحترزون من السباع الضارة ، أو يغلظون القول بالنسبة إلى أهل الاقتدار من الملوك والسلاطين من دون خوف ومبالاة ، اعتمادا على الله ، والله - سبحانه - ينجيهم منهم ، كانوا منهم أي من الكاملين في التوكل . قال الصادق ( ع ) : ( أبى الله - عز وجل - أن يجعل أرزاق المؤمنين إلا من حيث لا يحتسبون ) وإنما خصه بالمؤمنين ، لأن كمال الإيمان يقتضي ألا يثق صاحبه بالأسباب وأن يتوكل على الله - عز وجل وحده . وكمال الإيمان إنما يكون