ملا محمد مهدي النراقي

182

جامع السعادات

بها التوسل إلى العبادات وما يؤدي إلى التقرب والسعادة . ولكنه - سبحانه - كلفهم أيضا بالا يثقوا إلا به ، ولا يعتمدوا على الأسباب . كما إنه - سبحانه - كلفهم بالا يتكلوا على أعمالهم الحسنة ، بل على فضله ورحمته . فمعنى التوكل المأمور به في الشريعة : اعتماد القلب على الله في الأمور كلها ، وانقطاعه عما سواه . ولا ينافيه تحصيل الأسباب إذا لم يسكن إليها ، وكان سكونه إلى الله - سبحانه - دونها مجوزا في نفسه أن يؤتيه الله مطلوبه من حيث لا يحتسب ، دون هذه الأسباب التي حصلها ، وأن يقطع الله هذه الأسباب عن مسبباتها . فصل الأسباب التي لا ينافي السعي إليها التوكل الأسباب التي لا ينافي تحصيلها ومزاولتها للتوكل ، هي الأسباب القطعية أو الظنية ، وهي التي يقطع أو يظن بارتباط المسببات بها بتقدير الله ومشيته ارتباطا مطردا لا يتخلف عنها ، سواء كانت لجلب نفع أو لدفع ضر منتظر أو لإزالة آفة واقعة ، وذلك كمد اليد إلى الطعام للوصول إلى فيه ، وحمل الزاد للسفر ، واتخاذ البضاعة للتجارة ، والوقاع لحصول الأولاد ، وأخذ السلاح للعدو ، والادخار لتجدد الاضطرار ، والتداوي لإزالة المرض ، والتحرز عن النوم في ممر السيل ومسكن السباع وتحت الحائط المائل ، وغلق الباب ، وعقل البعير ، وترك الطريق الذي يقطع أو يظن وجود السارقين أو السباع الضارة فيه . . . وقس عليها غيرها . وأما الأسباب الموهومة ، كالرقية ، والطيرة ، والاستقصاء في دقائق التدبير ، وإبداء التمحلات لأجل التبديل والتغيير ، فيبطل بها التوكل ، لأن أمثال ذلك ليست بأسباب عند العقلاء ، وليست مما أمر الله - تعالى - بها ، بل ورد النهي عنها ، على أن المأمور به الإجمال في الطلب وعدم الاستقصاء قال رسول الله ( ص ) : ( إلا أن الروح الأمين نفت في روعي : أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها ، فاتقوا الله - تعالى - وأجملوا في طلب ) . وقال ( ص ) : ( ما أجمل في الطلب من ركب البحر ) . وقال الصادق ( ع ) : ( ليكن طلب المعيشة فوق كسب المضيع ، ودون طلب