ملا محمد مهدي النراقي
173
جامع السعادات
عالم الزور ، كما أشير إليه في الكتاب الإلهي بقوله : ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ( 24 ) وفي أخبار داود ( ع ) : ( يا داود ! ما لأوليائي والهم بالدنيا ؟ إن الهم يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم ، إن محبي من أوليائي أن يكونوا روحانيين لا يغتمون ) . والحاصل : أن حب الفانيات والتعلق بما من شأنه الفوات خلاف مقتضى العقل ، وحرام على العاقل أن يفرح بوجود الأمور الفانية ، أو يحزن بزوالها . ولقد قال سيد الأوصياء - عليه آلاف التحية والثناء - : ( ما لعلي وزينة الدنيا ؟ وكيف أفرح بلذة تفنى ، ونعيم لا يبقى ؟ ! ) . بل ينبغي أن يرضي نفسه بالموجود ، ولا يغتم بالمفقود ، ويكون راضيا بما يرد عليه من خير وشر . وقد ورد في الآثار : ( إن الله - تعالى - بحكمته وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين ) ، ومن رضي بالموجود ولا يحزن بالمفقود ، فقد فاز بأمن بلا فزع ، وسرور بلا جزع ، وفرح بلا حسرة ، ويقين بلا حيرة ، وما لطالب السعادة أن يكون أدون حالا من سائر طبقات الناس ، فإن كل حزب بما لديهم فرحون ، كالتاجر بالتجارة ، والزارع بالزراعة ، بل الشاطر بالشطارة ، والقواد بالقيادة ، مع أن ما هو السبب والموجب المفرح في الواقع ونفس الأمر ليس إلا لأهل السعادة والكمال وما لغيرهم محض التوهم ومجرد الخيال . فينبغي لطالب السعادة أن يكون فرحانا بما عنده من الكمالات الحقيقية والسعادات الأبدية ، ولا يحزن على فقد الزخارف الدنيوية ، والحطام الطبيعية ، ويتذكر ما خاطب الله به نبيه ( ص ) : ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ) ( 25 ) ومن تصفح فرق الناس ، يجد أن كل فرقة منهم فرحهم بشئ من الأشياء ، وبه اهتزازهم وقوامهم ونظام أمرهم . فالصبيان فرحهم باللعب وتهيئة أسبابه ، وهو في غاية القبح والركاكة عند من جاوز مرتبتهم . والبالغون
--> ( 24 ) يونس ، الآية : 62 . ( 25 ) طه ، الآية : 131