ملا محمد مهدي النراقي
174
جامع السعادات
حد الرجولة ، بعضهم فرحان بالدرهم والدينار ، وبعضهم بالضياع والعقار وأخر بالاتباع والانصهار ، وفرقة بالنسوان والأولاد ، وطائفة بالحرف والصنايع ، وبعضهم بالحسب والنسب ، والآخر بالجاه والمنصب ، وبعضهم بالقوة الجسمانية ، وأخر بالجمال الصوري ، وطائفة بالكمالات الدنيوية : كالخط والشعر ، وحسن الصوت ، والطب ، والعلوم الغريبة ، وغير ذلك ، حتى ينتهي إلى من لا يفرح إلا بالكمالات النفسية والرياسات المعنوية وهم أيضا مختلفون ، فبعضهم غاية فرحه بالعبادة والمناجاة ، وآخر بمعرفة حقائق الأشياء ، حتى يصل إلى من ليس فرحه إلا بالأنس بحضرة الربوبية ، والاستغراق في لجة أنواره ، وسائر المراتب عنده فيئ زائل وخيال باطل . ولا ريب في أن العاقل يعلم أن ما ينبغي أن يفرح ويبتهج به حصول هذه المرتبة وسائر الأمور ، كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء . فلا ينبغي للعاقل أن يحزن بفقدها ويفرح بوجودها . ثم من تأمل ، يجد أن الحزن ليس أمرا وجوديا لازما ، بل هو أمر اختياري يحدثه الشخص في نفسه بسوء اختياره . إذ كلما يفقد من شخص ويحزن لأجله ليس موجودا لكثير من الناس ، بل ربما لم يملكوه في مدة عمرهم أصلا ، ومع ذلك لا تجدهم محزونين على هدمه ، بل فرحون راضون ، ولو كان الحزن لازما لفقد هذا الأمر ، لكان كل من فقده محزونا ، وليس كذلك . وأيضا كل حزن يعرض لأجل مصيبته يزول بعد زمان ويتبدل بالسرور ، ولو كان الحزن لأجلها أمر ضروريا لازما لما زال أصلا . ثم العجب من العاقل أن يحزن من فقد الأمور الدنيوية ، مع أنه يعلم أن الدنيا دار فناء ، وزخارفها متنقلة بين الناس ، ولا يمكن بقاؤها لأحد ، وجميع الأسباب الدنيوية ودائع الله ينتقل إلى الناس على سبيل التبادل والتناوب . ومثلها مثل شمامة تدار في مجلس بين أهله على التناوب ، يتمتع بها في كل لحظة واحد منهم ، ثم يعطيها غيره . فطامع البقاء للحطام الدنيوية كمن طمع في ملكية الشمامة واختصاصها به إذا وصلت إليه نوبة الاستمتاع ، وذا استردت منه عرض له الحزن والخجلة . وما المال والأهلون إلا ودائع ، ولا بد يوما أن ترد الودائع . فلا ينبغي للعاقل أن