ملا محمد مهدي النراقي

172

جامع السعادات

بأسرها إلى الله ، مع قطع تعلقه عليها بالكلية ، بمعنى ألا يكون طبعه متعلقا بشئ منها . فهو فوق الرضا ، إذ في مرتبة الرضا كلما يفعل الله به يوافق طبعه ، فالطبع ملحوظ ومنظور له ، وفي مرتبة التسليم يجعل الطبع وموافقته ومخالفته كلها موكلة إلى الله - سبحانه - ، وفوق مرتبة التوكل أيضا ، إذ التوكل - كما يأتي - عبارة عن الاعتماد في أموره على الله ، فهو بمنزلة توكيل الله في أموره ، وكأنه يجعل الله - تعالى - بمثابة وكيله ، فيكون تعلقه بأموره باقيا ، وفي مرتبة التسليم بقطع العلاقة من الأمور المتعلقة به بالكلية ومنها : الحزن وهو التحسر والتألم ، لفقد محبوب ، أو فوت مطلوب . وهو أيضا ، كالاعتراض والانكار ، ومترتب على الكراهة للمقدرات الإلهية . والفرق : إن الكراهة في الاعتراض أشد من الكراهة في الحزن ، كما أن ضد الكراهة - أعني الحب في ضدهما - بعكس ذلك ، أي ظهوره في السرور الذي ضد الحزن أشد من ظهوره في الرضا الذي هو ضد الاعتراض . فإن الرضا هو منع النفس في الواردات من الجزع مع عدم كراهة وفرح ، والسرور هو منعها فيها عن الجزع مع الابتهاج والانبساط . فالسرور فوق الرضا في الشرافة ، كما أن الحزن تحت الاعتراض في الخسة والرذالة ، وسبب الحزن وشدة الرغبة في المشتهيات الطبيعية ، والميل إلى مقتضيات قوتي الغضب والشهوة ، وتوقع البقاء للأمور الجسمانية . وعلاجه : أن يعلم أن ما في عالم الكون والفساد من : الحيوان ، والنبات ، والجماد ، والعروض ، والأموال ، في معرض الفناء والزوال ، وليس فيها ما يقبل البقاء وما يبقى ويدوم هو الأمور العقلية ، والكمالات النفسية المتعالية عن حيطة الزمان وحوزة المكان وتصرف الأضداد وتطرق الفساد . وإذا تيقن بذلك زالت عن نفسه الخيالات الفاسدة ، والأماني الباطلة . فلا يتعلق قلبه بالأسباب الدنيوية ، ويتوجه بشراشره إلى تحصيل الكمالات العقلية ، والسعادات الحقيقية الموجبة للاتصال بالجواهر النورية الباقية ، والمجاورة للأنوار القادسة الثابتة ، فيصل إلى مقام البهجة والسرور ، ولا تلحقه أحزان