ملا محمد مهدي النراقي

171

جامع السعادات

فينبغي أن تكون مكروهة من حيث ذاتها ، وبهذه الحيثية لا تكون من قضاء الله والرضا به ، وفرضه من خبث كونها باعثة لخيرات كثيرة . والتحقيق : أن الأوصاف الثلاثة ثابتة للشرور الواقعة في العالم ، أعني أنها راجعة إلى الإعدام وداخلة في قضائه - تعالى - بالعرض ، وشرور قليلة باعثة لخيرات كثيرة . وعلى هذا فوجه الجمع أظهر . ثم لأبي حامد الغزالي هنا وجه جمع آخر ، لا يروي الغليل ولا يشفي العليل . فإن قيل : بعض أهل المعاصي ومقتهم موقوف على ثبوت الاختيار لهم وتمكنهم من تركها ، وإثبات ذلك مشكل . قلنا : لا إشكال فيه ، إذ البديهة قاضية بثبوت نوع اختيار للعباد في أفعالهم ، لا سيما فيما يتعلق به التكليف والخوض في هذه المسألة مما لا ينبغي . فالأولى فيها السكوت ، والتأدب بآداب الشرع ، والرجوع إلى ما ورد من العترة الطاهرة . وما يمكن أن يقال فيها قد ذكرناه في كتابنا المسمى ب‍ ( جامع الأفكار ) . فصل طريق تحصيل الرضا الطريق إلى تحصيل الرضا ، أن يعلم أن ما قضى الله - سبحانه - له هو الأصلح بحاله ، وإن لم يبلغ فهمه إلى سيره فيه . مع أن السخط والكراهة لا يفيد شيئا ولا يتبدل به القضاء . فإن ما قدر يكون ، وما لم يقدر لم يكن ، وحسرة الماضي وتدبير الآتي يذهبان بتركه الوقت بلا فائدة ، وتبقى تبعة السخط عليه . فينبغي أن يدهشه الحب لخالقه عن الاحساس بالألم ، كما للعاشق ، وأن يهون عليه العلم بعظم التعب والعناء - كما للمريض والتاجر المتحملين شدة الحجامة والسفر - فيفوض أمره إلى الله ، إن الله بصير بالعباد . تتميم التسليم إعلم أن التسليم ، ويسمى تفويضا أيضا ، قريب من الرضا ، بل هو فوق الرضا ، لأنه عبارة عن ترك الإعراض في الأمور الواردة عليه ، وحوالتها