ملا محمد مهدي النراقي
159
جامع السعادات
فضلا عن أن تحصل له التخلية والتحلية ومع ذلك يمكن أن يحصل ذلك بالمخالطة مع العلماء وأولي الأخلاق الفاضلة ؟ وكيف يجوز أن يقال : أن المخالطة أفضل لمن حصل ما في وسعه وقدرته من العلم والعمل ، ووصل إلى مرتبة الابتهاج والالتذاذ بالطاعات والمناجاة ، ولم يترتب على مخالطته مع الناس شئ من الفوائد الدينية والدنيوية ، بل تترتب عليه المفاسد الكثيرة ؟ فالصحيح أن يقال : إن الأفضلية فيهما تختلف بالنظر إلى الأشخاص والأحوال والأزمان والأمكنة . فينبغي أن ينظر إلى كل شخص وحاله ، وإلى خليطه وإلى باعث مخالطته وإلى ما يحصل بمخالطته من فوائد المخالطة وما يفوت لأجلها من فوائد العزلة ويوازن بين ذلك ، حتى يظهر الأفضل والأرجح . ولاختلاف ذلك في حق الأشخاص بملاحظة الأحوال والفوائد والآفات ، بما يظهر - بعد التأمل - أن الأفضل لبعض الخلق العزلة التامة ولبعضهم المخالطة ولبعضهم الاعتدال في العزلة والمخالطة وبما ذكر يظهر أن الأفضل لمن بلغ مقام الأنس والاستغراق : الخلوة والعزلة إذ لا ريب في أن المخالطة توجب السقوط عن مرتبة الشهود والأنس ، ولا يتصور من فوائدها شئ يقاوم ذلك . ولذلك كان المحبون المستأنسون بالله يعتزلون عن الخلق . يؤثرون الخلوة . قال أويس القرني : ( ما كنت أرى أحدا يعرف ربه فيأنس بغيره ) . وقال بعضهم : ( إذا رأيت الصبح أدركني استرجعت كراهية لقاء الناس ) . وقال بعضهم : ( سرور المؤمن ولذته في الخلوة بمناجاة ربه ) وقال بعض الصالحين : ( رأيت في بعض البلاد عابدا خرج من بعض قلل الجبال ، فلما رآني تنحى عني وتستر بشجرة ، فقلت له : سبحان الله ! أتبخل علي بالنظر إليك ؟ فقال : يا هذا ! إني قمت في هذا الجبل دهرا طويلا أعالج قلبي في الصبر عن الدنيا وأهلها فطال في ذلك تعبي وفنى فيه عمري ، فسألت الله - تعالى - أن يعطيني ذلك فسكن قلبي عن الاضطراب وألف الوحدة والانفراد ، فلما نظرت إليك خفت أن أوقع في الأول فإني أعوذ من شرك برب العالمين وحبيب القانتين ثم صاح وقال : واغماه من طول المكث في الدنيا ! ثم حول وجهه عني وقال : سبحان من ذاق قلوب العارفين من لذة الخلوة وحلاوة الانقطاع إليه ! ما ألهى قلوبهم عن ذكر الجنان وعن الحور