ملا محمد مهدي النراقي

160

جامع السعادات

الحسان ) . وقال بعض الأكابر ، : إنما يستوحش الإنسان من نفسه لخلو ذاته عن الفضيلة فبملاقاة الناس ومخالطتهم يفرح ويطرد الوحشة من نفسه فإذا كانت ذاته فاضلة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة ، ويستخرج العلم والحكمة ومن هنا قيل : ( الاستيناس بالناس من علامات الافلاس ) . فمن تيسر له منزلة بدوام الذكر والأنس بالله ، وبدوام الفكر والتحقيق في معرفة الله ، فالتجرد والخلوة أفضل له من كل ما يتعلق بالمخالطة ، فإن غاية العبادات وثمرة المجاهدة أن يموت الإنسان محبا لله عارفا بالله ، ولا محبة إلا بالأنس الحاصل بدوام الذكر ، ولا معرفة إلا بدوام الفكر ، وفراغ القلب شرط لكل منهما ، ولا فراغ مع المخالطة . فإن قلت : لا منافاة بين المخالطة مع الناس والأنس بالله ، ولذا كان الأنبياء مخالطين بالناس مع غاية استغراقهم في الشهود والأنس . قلنا : لا يتسع للجمع بين مخالطة الخلق ظاهرا ، والاقبال التام على الله سرا ، إلا قوة النبوة . فلا ينبغي أن يغتر كل ضعيف بنفسه ، فيطمع في ذلك . ثم ، بما ذكرناه يظهر وجه الجمع بين الأخبار الواردة من الطرفين فإن ما ورد في فضيلة العزلة إنما هو بالنظر إلى بعض الناس ، وما ورد في فضيلة المخالطة أنما هو بالنظر إلى بعض آخر . ومنها : السخط السخط فيما يخالف هواه من الواردات الإلهية والتقديرات الربانية ، ويرادفه الإنكار والاعتراض ، وهو من شعب الكراهة لأفعال الله ، وهو ينافي الإيمان والتوحيد . وما للعبد العاجز الذليل المهين الجاهل بمواقع القضاء والقدر ، والغافل عن موارد الحكم والمصالح ، والاعتراض والانكار والسخط لأفعال الخالق الحكيم العليم الخبير ، وأنى للعبد ألا يرضى بما يرضى به ربه ، ولعمري ! أن من يعترض على فعل الله فهو أشد الجهلاء ، ومن لم يرض بالقضاء فليس لحمقه دواء . وقد ورد في الخبر القدسي : ( خلقت الخير والشر ، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه ، وويل لمن خلقته للشر وأجريت الشر على يديه ، وويل ثم ويل لمن قال لم