ملا محمد مهدي النراقي

149

جامع السعادات

إما أن يكون جمال الصورة ، وكمال العقل ، وغزارة العلم ، وحسن الأخلاق والأفعال ، وكل ذلك يستحسن عند الطباع السليمة ، وكل مستحسن مستلذ به ومحبوب ، ومن هذا القسم أن يحبه لأجل مناسبة خفية معنوية بينهما ، فإنه قد تستحكم المودة بين شخصين من غير حسن في خلق وخلق . ومن دون ملاحة في صورة . ولا غيرها من الأعضاء ، بل المناسبة باطنة توجب الألفة والموافقة والمحبة ، فإن شبه الشئ ينجذب إليه بالطبع ، والأشياء الباطنة خفية ، ولها أسباب دقيقة ليس في قوة البشر أن يطلع عليها ، وإلى هذا القسم من الحب والموافقة أشار رسول الله ( ص ) بقوله : ( الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منهما ائتلف ، وما تناكر منها اختلف ) . فالحب نتيجة التناسب الذي هو التعارف ، والبغض نتيجة التناكر . ومعلوم أن هذا القسم من الحب لا يدخل في الحب لله ، بل هو حب الطبع وشهوة النفس ، لذا يتصور ممن لا يؤمن بالله ، إلا أنه إن اتصل به غرض مذموم صار مذموما ، وإلا فهو مباح لا يوصف بمدح وذم . الثاني - أن يحبه لا لذاته ، بل لينال منه محبوبا وراء ذاته ، وكانت لهذا المحبوب فائدة دنيوية . ولا ريب في أن كلما هو وسيلة إلى المحبوب محبوب ، وعدم كون هذا الحب من جملة الحب في الله ظاهر . الثالث - أن يحبه لا لذاته ، بل لغيره ، وذلك الغير راجع إلى حظوظه في الآخرة دون الدنيا ، وذلك كحب التلميذ الأستاذ ، لأن يتوصل به إلى تحصيل العلم وتحسين العمل ، ومقصوده من العلم والعمل سعادة الآخرة . وهذا الحب من جملة الحب في الله ، وصاحبه من محبي الله ، وكذلك حب الأستاذ للتلميذ ، لأنه يتلقف منه العلم ، وينال بواسطته مرتبة التعليم ، ويترقى به إلى درجة التعظيم في ملكوت السماء . قال عيسى ( ع ) : ( ( من علم وعمل وعلم ، فذلك يدعى عظيما في ملكوت السماء ) . ولا يتم التعليم إلا بمتعلم ، فهو إذن آلة في تحصيل هذا الكمال ، فإن أحبه لأنه آلة إذ جعل صدره مزرعة لحرثه فهو محب لله . بل التحقيق : أن كل من يحب أحدا لصنعته ، أو فعله الذي يوجب تقربه إلى الله ، فهو من جملة المحبين في الله ، كحب من يتولى له إيصال