ملا محمد مهدي النراقي
139
جامع السعادات
فضعفت عن إدراكه . وهذا كما إن الخفاش يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار ، لا لخفاء النهار واستتاره ، بل لشدة ظهوره وضعف بصر الخفاش ، فإن بصره ضعيف يبهره نور الشمس إذا أشرق ، فتكون قوة ظهوره مع ضعف بصره سببا لامتناع أبصاره فلا يرى شيئا إلا إذا امتزج بالضوء الظلام وضعف ظهوره ، فكذلك عقولنا ضعيفة ، وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الاشراق والاستنارة ، وفي غاية الاستغراق والشمول ، حتى لم تشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السماوات والأرض ، فصار ظهوره سبب خفائه ، فسبحان من احتجب بإشراق نوره ، واختفى عن العقول والبصائر بشدة ظهوره ! ولا تتعجب من اختفاء شئ بسبب شدة ظهوره ، فإن الأشياء إنما تستبان بأضدادها ، وما عم وجوده حتى لا ضد له عسر إدراكه ، فلو اختلفت الأشياء ، فدل بعضها على الله - تعالى - دون بعض ، أدركت التفرقة على قرب ، ولما اشتركت في الدلالة على نسق واحد ، أشكل الأمران ، ومثاله نور الشمس المشرق على الأرض ، فإنا نعلم أنه عرض من الأعراض يحدث في الأرض ، ويزول عند غيبة الشمس ، فلو كانت الشمس دائمة الاشراق لا غرب لها ، لكنا نظن أن لا هيئة في الأجسام إلا ألوانها ، وهي السواد والبياض وغيرهما ، وأما الضوء فلا ندركه وحده لكن لما غابت الشمس واظلمت المواضع أدركنا تفرقة بين الحالتين ، فعلمنا أن الأجسام قد استضاءت بضوء فارقها عند الغروب ، فعرفنا وجود النور بعدمه وما كنا نطلع عليه لولا عدمه إلا بعسر شديد ، وذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في النور والظلام . وهذا مع أن النور أظهر المحسوسات ، إذ به تدرك سائر المحسوسات ، فما هو ظاهر في نفسه مظهر لغيره انظر كيف استبهم أمره بسبب ظهوره لولا طريان ضده ، فإذن واجب الوجود لذاته هو أظهر الأشياء وبه ظهرت الأشياء كلها ولو كان له عدم أو غيبة أو تغير ، لانهدت في السماوات والأرض وبطل الملك والملكوت ، وأدركت التفرقة بين الحالتين ، ولو كان بعض الأشياء موجودا به ، وبعضها موجودا بغيره ، لأدركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة ، ولكن دلالته عامة في الأشياء على نسق واحد ، ووجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه ، فلا جرم أورثت شدة ظهوره خفاء كما قيل :