ملا محمد مهدي النراقي
138
جامع السعادات
ولا يكون حبه في حالة البلاء كحبه في حالة الرخاء والنعماء . وأما من يحبه لذاته ، أو بسبب كماله وجماله ومجده وعظمته ، فإنه لا يتفاوت حبه بتفاوت الإحسان إليه . فصل الواجب أظهر الموجودات عجبا لأقوام عميت قلوبهم عن معرفة الله - سبحانه - ، مع أن الله - تعالى - أظهر الموجودات وأجلاها ، لأن البديهة العقلية قاضية بأنه يجب أن يكون في الوجود موجود قائم بذاته ، أي ما هو صرف الوجود ، ولولاه لم يتحقق موجود أصلا ، يتحقق صرف الوجود القائم بذاته المقوم لغيره أظهر وأجلى من تحقق كل موجود بغيره عند البصيرة الصافية ، قال الله - سبحانه - : ( الله نور السماوات والأرض ) ( 37 ) والنور هو الظاهر لنفسه المظهر لغيره ، ومبدأ الإدراك من المدرك إنما هو الوجود ، فكلما أدركته إنما تدرك أولا وجوده ، وإن لم تشعر بذلك . ولا ريب في أن الظاهر لنفسه أظهر من الظاهر بغيره ، وأيضا كل موجود سوى الله - سبحانه - يعلم وجوده بقليل من الآثار ، فإن وجود الحياة لزيد - مثلا - لا يدل عليه إلا حركته وتكلمه وبعض أخر من إعراض نفسه ، ولا يدل عليه شئ آخر من سائر الموجودات ، وكذا وجود السماء - مثلا - لا يدل عليه سوى وجود ظهور جسمها وحركتها ، ولا يدل عليه شئ آخر من الموجودات التي تحتها وفوقها . وأما وجود الواجب - تعالى - فيدل عليه كل شئ إذ ليس الوجود مدرك محسوس أو معقول ، وحاضر أو غائب ، إلا وهو شاهد ومعرف لوجوده فالسبب في خفائه مع كونه أجلى وأظهر من كل شئ غاية وضوحه وظهوره ، فإن شدة ظهور الشئ قد يكون سببا لخفائه ، لأنه يكل المدارك ويحسرها ، فشدة ظهوره - سبحانه - بلغت حدا بهرت العقول وأدهشتها
--> ( 37 ) النور الآية 35