ملا محمد مهدي النراقي

137

جامع السعادات

فصل تفاوت المؤمنين في محبة الله إعلم أن المؤمنين جميعا مشتركون في أصل محبة الله لاشتراكهم في أصل الإيمان ، ولكنهم متفاوتون في قدرها ، وسبب تفاوتهم أمران : أحدهما - اختلافهم في المعرفة وحب الدنيا فإن أكثر الناس ليس لهم من معرفة الله إلا ما قرع أسماعهم من كونه متصفا بصفات كذا وكذا ، من دون وصول إلى حقيقة معناها ، وإلى اعتقادهم بأن الموجودات المشاهدة صادرة عنه ، من غير تدبر في عجائب القدرة وغرائب الحكمة المودعة فيها . وأما العارفون : فلهم الخوض في بحر التفكر والتدبر في أنواع المخلوقات ، واستخراج ما فيها من الحكم الخفية ، والمصالح العجيبة ، التي كل واحد منها كمشعلة في إزالة ظلمة الجهل ، والهداية إلى كمال عظمة الله ، ونهاية جلاله وكبريائه ، فمثل الأكثرين كمثل عامي أحب عالما بمجرد استماعه أنه حسن التصنيف ، من دون علم ودراية بما في تصانيفه ، فتكون له معرفة مجملة ويكون له بحسنه ميل مجمل ، ومثل العارفين كمثل عالم فتش عن تصانيفه وأطمع على ما فيها من دقائق المعاني وبلاغة العبارات . ولا ريب في أن العالم بجملته صنع الله وتصنيفه ، فمن عرف ذلك مجملا تكون له بحسبه محبة مجملة ، ومن وقف على ما فيه من عجائب القدرة ودقائق الحكمة تكون له غاية الحب ، وكلما ازدادت معرفته بوجوه الحكم والمصالح المودعة في كل مخلوق ازداد حبه فمن اعتقد أن ما تبنيه النحل من البيوت المسدسة إنما هو بإلهام الله - تعالى - إياها ، من غير استعداد لفهم الحكمة في اختيار الشكل المسدس على سائر الأشكال ، لا يكون في معرفة الله وإدراك عظمته وحكمته كمن يفهم ذلك ويتيقنه . ثم ، كما إن دقائق الحكم وعجائب القدرة غير متناهية ، ولا يمكن لأحد أن يحيط بها ، وإنما ينتهي كل إلى ما يستعد له ، فينبغي أن تكون مراتب الحب أيضا غير متناهية ، وكل عبد ينتهي إلى مرتبة تقتضيها معرفته . وثانيهما - اختلافهم في الأسباب المذكورة للحب ، فإن من يحب الله لكونه منعما عليه ومحسنا إليه ، ضعفت محبته لتغيرها بتغير الإنعام والاحسان