ملا محمد مهدي النراقي

136

جامع السعادات

يعرف الله بالله ، وبه يعرف غيره ، أي أفعاله وآثاره . وإلى هذا أشير في الكتاب الإلهي بقوله : ( أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد ) ( 35 ) وهذا الطريق غامض ، وفهمه صعب على الأكثرين . وقد أشرنا إلى كيفيته في بعض كتبنا الإلهيات . وثانيهما - وهو الأدنى ، الاستدلال بالخلق على الحق - سبحانه - وهذا الطريق في غاية الوضوح ، وأكثر الأفهام يتمكن من سلوكه ، وهو متسع الأطراف ، ومتكثر الشعوب والأكناف ، إذ ما من ذرة من أعلى السماوات إلى تخوم الأرضين إلا وفيها عجائب آيات وغرائب آيات وغرائب بينات تدل على وجود الواجب وكمال قدرته وغاية حكمته ونهاية جلاله وعظمته ، وذلك مما لا يتناهى . ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ) ( 36 ) وعدم وصول بعض الأفهام من هذا الطريق إلى معرفة الله مع وضوحه ، إنما للإعراض عن التفكير والتدبر والاشتغال بشهوات الدنيا وحظوظ النفس . ثم سلوك هذا الطريق ، أي الاستدلال على الله - تعالى - وعلى كمال قدرته وعظمته ، بالتفكر في الآيات الآفاقية والأنفسية ، خوض في بحار لا ساحل لها ، إذ عجائب ملكوت السماوات والأرض مما لا يمكن أن تحيط به الأفهام ، فإن القدر الذي تبلغه أفهامنا القاصرة من عجائب حكمته الباهرة تنقضي الأعمار دون إيضاحه ولا نسبة لما أحاط به علمنا إلى ما أحاط به علم العلماء ، ولا نسبة له إلى ما أحاط به علم الأنبياء ، ولا نسبة له إلى ما أحاط به علم الخلائق كلهم ، ولا نسبة له إلى ما استأثر الله بعلمه ، بل كلما عرفه الخلائق جميعا لا يستحق أن يسمى علما في جنب علم الله ، ونحن قد أشرنا إلى لمعة يسيرة من عجائب حكمته المودعة في بعض مخلوقاته في مبحث التفكر .

--> ( 35 ) فصلت ، الآية : 53 . ( 36 ) الكهف ، الآية : 110