ملا محمد مهدي النراقي

133

جامع السعادات

إلى لذة اللقاء والمشاهدة التي يندفع فيها جميع ذلك عن النفس ، فالعارف لعدم خلوه في الدنيا عن هذه العوائق والمشوشات وإن قويت معرفته لا يمكن أن تكمل لذته وتصفو بهجته ، وإن ضعفت عوائقه ومشوشاته في بعض الأحوال وبقي سالما ، لاح له من جمال المعرفة ما تعظم لذته وبهجته ويدهش عقله ، بحيث يكاد القلب يتفطر لعظمته ، إلا أن ذلك كالبرق الخاطف ، ولا يمكن أن يدوم ، إذ الخلو عن العوائق والمشوشات ليس يمكن أن يدوم بل هو آني ، ويعرض بعد الآن من الشواغل والأفكار والخواطر ما يشوشه وينقصه ، وهذه ضرورة قائمة في هذه الحياة الفانية ، فلا تزال هذه اللذة منقصة إلى الموت ، وإنما الحياة الطيبة بعده ، وإنما العيش عيش الآخرة ، فإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون ، ولذا كل عارف كملت معرفته في الدنيا وأحب لقاء الله يحب الموت ولا يكرهه ، إلا من حيث إرادة زيادة استكمال في المعرفة ، فإن المعرفة كما عرفت بمنزلة البذر ، وكلما كثرت المعرفة بالله وبصفاته وبأفعاله وبأسرار مملكته ، قويت المشاهدة واشتدت ، وكثر النعيم في الآخرة وعظم ، كما إنه كلما كثر البذر وحسن كثر الزرع وحسن . ولا ريب في أن المعرفة لا تنتهي إلى مرتبة لا تكون فوقها مرتبة ، إذ بحر المعرفة لا ساحل له ، والإحاطة بكنه جلال الله محال ، فالعارف وإن قويت معرفته ، ربما أحب طول العمر وكره الموت لتزداد معرفته . ثم أهل السنة قالوا : ( إن الرؤية في الآخرة مع تنزهها عن التخيل والتصوير والتقدير بالشكل والصورة والتحديد بالجهة والمكان : تكون بالعين دون القلب ) : ( وهو عندنا باطل ) : إذ الرؤية بالعين محال في حق الله تعالى ، سواء كانت في الدنيا أو في الآخرة ، فكما لا تجوز رؤية الله سبحانه في الدنيا بالعين والبصر ، فكذلك لا تجوز في الآخرة ، وكما تجوز رؤيته في الآخرة بالعقل والبصيرة لأهل البصائر - أعني غاية الانكشاف والوضوح بحيث تتأدى إلى المشاهدة واللقاء - فكذلك تجوز رؤيته في الدنيا بهذا المعنى ، والحجاب بينه وبين خلقه ليس إلا الجهل وقلة المعرفة دون الجسد ، فإن العارفين وأولياء الله يشاهدونه في الدنيا في جميع أحوالهم ومنصرفاتهم ،