ملا محمد مهدي النراقي

132

جامع السعادات

فإن من خلا عن المعرفة ، أو كانت له معرفة ضعيفة وقلبه مشحون بعلائق الدنيا ، لا يدرك لذتها ، فمن كملت معرفته وصفت عن علائق الدنيا سريرته ، قويت بهجته واشتدت لذته ، بحيث لا توازنها لذة ، فإن للعارفين في معرفتهم وفكرتهم ومناجاتهم لله عز وجل ابتهاجات ولذات لو عرضت عليهم الجنة ونعيمها في الدنيا بدلا عنها لم يستبدلوها بها . ثم هذه اللذة مع كمالها لا نسبة لها أصلا إلى لذة اللقاء والمشاهدة ، كما لا نسبة للذة خيال المعشوق إلى رؤيته ، ولا للذة استنشاق روائح الأطعمة الطيبة إلى ذوقها وأكلها ، ولا للذة اللمس باليد إلى لذة الوقاع . ومما يوضح ذلك أن لذة النظر إلى وجه المعشوق تتفاوت بأمور : أحدها - كمال جمال المعشوق ونقصانه . وثانيها - كمال قوة الحب والشهوة وضعفه . وثالثها - كمال الإدراك وضعفه ، فإن الالتذاذ برؤية المعشوق في ظلمة ، أو من بعد ، أو من وراء ستر رقيق ، ليس كالالتذاذ برؤيته على قرب من غير ستر عند كمال الضوء . ورابعها عدم الآلام الشاغلة والعوائق المشوشة ووجودها ، فإن التذاذ الصحيح الفارغ المتجرد للنظر إلى المعشوق ليس كالتذاذ الخائف المذعور أو المريض المتألم ، أو المشغول قلبه بمهم من المهمات ، فلو كان العاشق ضعيف الحب ، ناظرا إلى معشوقه على بعد ومن وراء ستر رقيق ، مشغول القلب بمهمات ، مجتمعة عليه حيات وعقارب تؤذيه وتلدغه ، لم يكن خاليا عن لذة ما في هذه الحالة من مشاهدة معشوقه ، إلا أنه إذا فرض ارتفاع الستر وإشراق الضوء ، واندفاع الحيات والعقارب المؤذية ، وفراغ قلبه من المهمات ، وحدوث عشق مفرط ، وشهوة قوية ، بحيث بلغت أقصى الغايات ، تضاعفت لذته ، بحيث لم تكن للذته الأولى نسبة إليها بوجه ، فكذلك الحال في نسبة لذة المعرفة في الدنيا مع حجاب البدن والاشتغال بمهماته ، ومع تسلط حيات الشهوات وعقاربها : من الجوع ، والعطش والشبق ، والغضب ، والحزن ، والهم ، ومع ضعف النفس وقصورها ونقصانها في الدنيا عن التشوق إلى الملأ الأعلى ، لالتفاتها إلى أسفل السافلين .