ملا محمد مهدي النراقي

131

جامع السعادات

وفي الثاني البصر ، وشتان ما بينهما ، فإن الاختلاف في مراتب الإدراك والرؤية بحسب اختلاف نورية المدرك ، وأي نسبة لنورية البصر إلى نورية العقل وإشراقه ، وما للعقل من النفوذ في حقائق الأشياء وبواطنها أنى يكون للبصر . وقد ظهر مما ذكر : أنه لا يفوز بدرجة الرؤية والمشاهدة إلا العارفون في الدنيا ، لأن المعرفة هي البذر الذي ينقلب في الآخرة مشاهدة ، كما تنقلب النواة شجرة والبذر زرعا ، ومن لا نواة له كيف يحصل له النخل ، ومن لم يلق البذر كيف يحصد الزرع ، فمن لم يعرف الله في الدنيا فكيف يراه في الآخرة ، ومن لم يجد لذة المعرفة في الدنيا فلا يجد لذة النظر في العقبى ، إذ لا يستأنف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه في الدنيا ، فلا يحصد المرء إلا ما زرع ، ولا يحشر إلا على ما مات عليه ، ولا يموت إلا على ما عاش عليه . ولما كانت المعرفة على درجات متفاوتة ، يكون التجلي أيضا على درجات متفاوتة ، فاختلاف التجلي بالإضافة إلى اختلاف المعارف كاختلاف النبات بالإضافة إلى اختلاف البذور ، إذ يختلف لا محالة : بكثرتها وقلتها ، وجودتها ، وردائتها ، وضعفها . ثم كلما كان التجلي والمشاهدة أقوى ، كان ما يترتب عليه من حب الله والأنس به أشد وأقوى ، وكلما كان الحب والأنس أزيد ، كان ما يترتب عليه من البهجة واللذة أعلى وأقوى ، وتبلغ هذه اللذة مرتبة لا تؤثر عليها لذة أخرى من نعيم الجنة ، بل ربما بلغت حدا تتأذى من كل نعيم سوى لقاء الله ومشاهدته ، فالنعمة والبهجة في الجنة بقدر حب الله ، وحب الله بقدر معرفته ، فأصل السعادات هي المعرفة التي عبر الشرع عنه ب‍ ( الإيمان ) . فإن قيل : اللقاء والمشاهدة إن كانت زيادة كشف للمعرفة حتى تتحقق بين لذة الرؤية ولذة المعرفة نسبة ، لكانت لذة اللقاء والرؤية قليلة ، وإن كانت أضعاف لذة المعرفة ، إذ هي في الدنيا ضعيفة ، فتضاعفها إلى أي حد فرض لا ينتهي في القوة ، إلا أن يستحقر في جنبها سائر لذات الجنة ونعيمها . قلنا : هذا الاستحقاق والتقليل للذة المعرفة باعثه عدم المعرفة أو ضعفها