ملا محمد مهدي النراقي

63

جامع السعادات

إليه ، كالجائع الفاقد للخبز والعاري الفاقد للثوب ، أم لا . وأنت ، بعدما فهمت اشتراك الفقر بين المعاني المذكورة ، لم يشكل عليك الجمع بين ما ورد في مدح الفقر - كما يأتي - وبين ما ورد في ذمه ، كقوله ( ص ) : " كاد الفقر أن يكون كفرا " ، وقوله ( ص ) : " الفقر الموت الأكبر " . وقول أمير المؤمنين عليه السلام : " من ابتلى بالفقر فقد ابتلى بأربع خصال : بالضعف في يقينه ، والنقصان في عقله ، والرقة في دينه ، وقلة الحياء في وجهه . فنعوذ بالله من الفقر ! " . فصل مراتب الفقر ومدحه قد عرفت أن بعض مراتب الفقر راجع إلى الزهد ، وبعضها إلى ما هو فوقه أعني الرضى والاستغناء ، وبعضها إلى القناعة . ففضيلة هذه المراتب ظاهرة ، والأخبار الواردة في فضيلة الزهد والرضى والقناعة تدل على فضيلة المراتب المذكورة من الفقر . وأما المرتبة الأولى المتضمنة للحرص ، فهو أيضا لا يخلو عن فضيلة بالنظر إلى الغنى المتضمن له والأخبار الواردة في مدح الفقر تناول بعمومها جميع مراتبه ، قال الله سبحانه : " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم " ( 48 ) . وقال : " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله . . . " الآية ( 49 ) . ساق الله سبحانه الكلام في معرض المدح ، وقدم وصفهم بالفقر على وصفهم بالهجرة الاحصار ، وفيه دلالة جلية على مدح الفقر ( 50 ) . وقال رسول الله ( ص ) : " خير هذه الأمة فقراؤها ، وأسرعها تصعدا في الجنة ضعفاؤها " . وقال - ( ص ) : " اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين " . وقال ( ص ) : " إن لي حرفتين اثنتين ، فمن أحبهما فقد أحبني ، ومن أبغضهما فقد أبغضني : الفقر والجهاد " . وقال - صلى الله عليه وآله - : " الفقر أزين للمؤمنين من العذار الحسن على خد الفرس " . وسئل عن الفقر ، فقال : " خزانة من خزائن الله " وسئل عنه

--> ( 48 ) الحشر ، الآية : 8 . ( 49 ) البقرة ، الآية : 273 . ( 50 ) قال المحقق ( الفيض ) في ( إحياء الأحياء ) : " لا دلالة في الآيتين على مدح الفقر ، وإنما سيقتا لبيان أن مصرف المال إنما هم الفقراء المتصفون بهذه الصفات " .