ملا محمد مهدي النراقي

33

جامع السعادات

وأما الحب والأنس ، فهما يوصلان العبد إلى لذة المشاهدة واللقاء . وهذه السعادة تتعجل عقيب الموت إلى أن يدخل الجنة ، فيصير القبر روضة من رياض الجنة ، وكيف لا يصل صاحب الصفات الثلاث بعد موته غاية البهجة ونهاية اللذة بمشاهدة جمال الحق ، ولا يكون القبر عليه روضة من الرياض الخلد ، ولم يكن له إلا محبوب واحد ، وكانت العوائق تعوقه عن الأنس بدوام ذكره ومطالعة جماله ، وبالموت ارتفعت العوائق وأفلت من السجن وخلى بينه وبين محبوبه ، فقدم عليه مسرورا سالما من الموانع آمنا من الفراق ؟ وكيف لا يكون محب الدنيا عند الموت معذبا ولم يكن له محبوب إلا الدنيا وقد غصبت منه وحيل بينه وبينها ، وسدت عليه طرق الحيلة في الرجوع إليه ؟ وليس الموت عدما ، إنما هو فراق لمحاب الدنيا وقدوم على الله ، فإذن سالك طريق الآخرة هو المواظب على أسباب هذه الصفات الثلاث ، وهي : الذكر ، والفكر ، والعمل الذي يفطمه عن شهوات الدنيا ويبغض إليه ملاذها ويقطعه عنها . وكل ذلك لا يمكن إلا بصحة البدن ، وصحة البدن لا تنال إلا بالقوت والملبس والمسكن ، ويحتاج كل واحد إلى أسباب ، فالقدر الذي لا بد منه من هذه الثلاثة إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا وكانت الدنيا في حقه مزرعة الآخرة ، وإن أخذ ذلك على قصد التنعم وحظ النفس صار من أبناء الدنيا والراغبين في حظوظها . إلا أن الرغبة في حظوظ الدنيا تنقسم إلى ما يعرض صاحبه لعذاب الله في الآخرة ، وسمي ذلك حراما ، وإلى ما يحول بينه وبين الدرجات العلى ويعرضه لطول الحساب ، ويسمى ذلك حلالا . والبصير يعلم أن طول الموقف في عرصات القيامة لأجل المحاسبة أيضا عذاب ، فمن نوقش في الحساب عذب ، ولذلك قال رسول الله ( ص ) : " في حلالها حساب وفي حرامها عقاب " . بل لو لم يكن الحساب لكان ما يفوت عن الدرجات العلى في الجنة وما يرد على القلب من التحسر على تفويتها بحظوظ حقيرة خسيسة لابقاء لها ، هو أيضا عذاب . ويرشدك إلى ذلك حالك في الدنيا إذا نظرت إلى أقرانك ، وقد سبقوك إلى السعادات الدنيوية ، كيف ينقطع قلبك عليها حسرات ، مع علمك بأنها سعادات متصرمة لا بقاء لها ، ومنغصة بكدورات لا صفاء لها ، فما حالك ج : 2