ملا محمد مهدي النراقي

34

جامع السعادات

في فوات سعادات لا يحيط الوصف بعظمتها وتنقطع الأذهان والدهور دون غايتها ؟ وكل من تنعم في الدنيا ، ولو بسماع صوت من طائر أو بالنظر إلى خضرة أو بشربة ماء بارد ، فهو ينقص من حظه في الآخرة ، والتعرض لجواب السؤال فيه ذل ، وحذر ، وخوف ، وخطر ، وخجل ، وانكسار ، ومشقة ، وانتظار ، وكل ذلك من نقصان الحظ . فالدنيا - قليلها وكثيرها ، حلالها وحرامها - ملعونة ، إلا ما أعان على تقوى الله ، فإن ذلك القدر ليس من الدنيا ، وكل من كانت معرفته أقوى وأتم كان حذره من نعيم الدنيا أشد وأعظم ، حتى أن عيسى ( ع ) وضع رأسه على حجر لما نام ثم رمى به ، إذ تمثل له إبليس وقال : رغبت في الدنيا . وحتى أن سليمان عليه السلام في ملكه كان يطعم الناس من لذائذ الأطعمة وهو يأكل خبز الشعير ، فجعل الملك على نفسه بهذا الطريق امتحانا وشدة ، فإن الصبر من لذيذ الأطعمة مع وجودها أشد . ولذا زوى الله تعالى الدنيا على نبينا ( ص ) فكان يطوي أياما ، وكان يشد الحجر على بطنه من الجوع ، ولذا سلط الله المحن والبلاء على الأنبياء والأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل في درجات العلى . كل ذلك نظرا لهم وامتنانا عليهم ، ليتوفر من الآخرة حظهم ، كما يمنع الوالد المشفق ولده لذائذ الفواكه والأطعمة ويلزمه القصد والحجامة ، شفقة عليه وحبا له لا بخلا به عليه . وقد عرفت بهذا أن كل ما ليس لله فهو من الدنيا وما هو لله فليس من الدنيا . ثم الأشياء على أقسام ثلاثة : ( الأول ) ما لا يتصور أن يكون لله ، بل من الدنيا صورة ومعنى ، وهي أنواع المعاصي والمحظورات وأصناف التنعم بالمباحات ، وهي الدنيا المحضة المذمومة على الإطلاق . ( الثاني ) ما صورته من الدنيا ، كالأكل والنوم والنكاح وأمثالها ، ويمكن أن يجعل معناه لله ، فإنه يمكن أن يكون المقصود منه حظ النفس ، فيكون معناه كصورته أيضا من الدنيا ، ويمكن أن يكون المقصود منه الاستعانة على التقوى ، فهو لله بمعناه وإن كانت صورته صورة الدنيا ، قال رسول الله ( ص ) : " من طلب من الدنيا حلالا مكاثرا مفاخرا لقي الله