ملا محمد مهدي النراقي

308

جامع السعادات

بمحض أرادته ومشيته ، كما ذهب إليه آخرون ( 38 ) . ولو لم يكن غيره من الموجودات مستندا إليه على أقوى أنحاء الاستناد ، لم يكن تاما فوق التمام إذ تكون الذات التي يستند الكل إليها بأحد النحوين أكمل منه وأشرف . وإذا عرف أنه سبحانه كذلك ، يعرف أنه ليس في الوجود حقيقة أحد سواه وغيره حقيقته العدم وما له من الوجود والظهور منه سبحانه ، وبعد هذه المعرفة لا يختار غيره تعالى عليه ، ويعلم أن العباد كلهم عجزة لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، ولا يملكون موتا ولا حياة ، فلا يتغير قلبه بمشاهدة الخلق ، ولا يلتفت إليهم إلا بخطرات ضعيفة لا يشق عليه إزالتها ، فيعمل عمل من لو كان على وجه الأرض وحده لكان يعمله . وأما العلاج العملي ، فهو أن يعود نفسه إخفاء العبادات وإغلاق الأبواب دونها ، كما تغلق الأبواب دون الفواحش ، حتى يقنع قلبه بعلم الله واطلاعه على عبادته ، ولا تنازعه النفس إلى طلب علم غير الله به . وذلك وإن شق في بداية المجاهدة ، لكن إذا صبر عليه مدة بالتكلف سقط عنه ثقله وهان عليه بتواصل ألطاف الله وما يمده به عبادة من حسن التوفيق والتأييد : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ( 39 ) . فمن العبد المجاهدة ومن الله الهداية : " إن الله لا يضيع أجر المحسنين " ( 40 ) . تتميم القالع مغارس الرياء من قلبه يقطع الطمع واستحقار مدح الناس وذمهم

--> ( 38 ) القول الأول مبني على أصالة الوجود ، والثاني على أصالة الماهية . وهذا البحث الذي ذكره المؤلف من دقائق الفلسفة الإلهية وأعلاها ، ولقد أحسن فيه البيان جدا . فإنه مبني على فهم معنى واجب الوجود لذاته ، وهو الذي يكون ذاته بذاته ، مع قطع النظر عن كل ما عداه ، ومن حيث هو هو منشأ لانتزاع أنه موجود ، فلذلك يجب أن يكون صرف الوجود أنه لا شئ له الوجود وإلا لكان ممكنا ، ويجب أن يكون متصفا بجميع الكمالات بل أكمل الكمالات ومن جملتها أن تكون الموجودات مستندة إليه على أقوى أنحاء الاستناد وإذا لم يتصف بجميع الكمالات لا يتصف بإعدامها ، فيدخل في حقيقته العدم ، فلم يكن صرف الوجود ، فلم يكن واجب الوجود لذاته ، وهذا خلاف الفرض ، أو بهذه الطريقة يستدل على اتصافه بجميع صفات الجمال والجلال . ( 39 ) الرعد الآية : 11 . ( 40 ) التوبة ، الآية : 12