ملا محمد مهدي النراقي
307
جامع السعادات
الواحد ربما تترجح به كفة حسناته لو خلص ، فإذا فسد بالرياء حول إلى كفة السيئات ، فتترجح به ويهوي إلى النار ، هذا مع أن المرائي في الدنيا متشتت الهم متفرق البال بسبب ملاحظة قلوب الناس ، فإن رضاهم غاية لا تدرك ، وكلما يرضى به فريق يسخط به فريق ، ومن طلب رضاهم في سخط الله سخط الله عليه وأسخطهم أيضا . ثم أي غرض له في مدحهم وإيثار ذم الله لأجل مدحهم ولا يزيده مدحهم رزقا ولا إجلالا ولا ينفعه يوم فقره وفاقته وهو يوم القيامة ؟ ! ومن كان رياؤه لأجل الطمع بما في أيدي الناس ، ينبغي أن يعلم أن الله هو المسخر للقلوب بالمنع والإعطاء ، وإن الخلق مضطرون فيه ، ولا رازق إلا الله ، ومن طمع في الخلق لم يخل عن الذل والخسة ، وإن وصل إلى المراد لم يخل عن المنة والمهانة ، وإذا قرر ذلك في نفسه ولم يكن منكرا لأمسه ، زالت غفلته وفترت عن الرياء رغبته وأقبل على الله بقلبه ، وانقطع بشراشره إلى جناب ربه . ويكفيه أن يعلم أن الناس لو علموا ما في باطنه من قصد الرياء وإظهار الإخلاص لمقتوه ، وسيكشف الله عن سره حتى يبغضه إليهم ، ولو أخلص لله لكشف لهم إخلاصه وحببه إليهم وسخرهم له ، وأطلق ألسنتهم بمدحه وثنائه ، مع أنه لا يحصل له كمال بمدحهم ولا نقصان بذمهم . ثم من تنور قلبه بنور الإيمان وانشرح صدره باليقين والعرفان ، وعرف معنى الواجب وحقيقة الممكن ، وتيقن بأن الواجب - أي الحقيقة التي تقتضي بنفس ذاته التحقق والبقاء ، وهم صرف الوجود - يجب أن يكون تاما فوق التمام ، ولا يتصور حقيقة أتم كمالا منه ، والحقيقة التي هذا شأنها يجب أن يكون ما سواها بأسره مستندا إليها وصادرا عنها على أشرف أنحاء الصدور وأقواها . وهذا النحو الأشرف الأقوى الذي لا يتصور نحوه أقوى منه في الاختراع وأدل منه على كمال عظمة الموجد وقدرته ، وهو كون ما سواه سبحانه من الموجودات ، إما اعتبارات وشؤونات لدرجات ذاته وإشراقات لتجليات صفاته ، كما ذهب إليه قوم ، أو كونها ماهيات إمكانية اختراعية علما وعينا ، صادرة عنه سبحانه بوجودات خاصة متعددة ارتباطية