ملا محمد مهدي النراقي

300

جامع السعادات

لنفسه منها ما يقدر عليها ، وكحضوره مجالس العلم والوعظ والتعزية لملاحظة النسوان والصبيان ، وهذا أشد درجات الرياء إثما ، ويقرب منه إظهار الديانة والتقوى ليدفع عن نفسه تهمة ما اقترفه من الجرائم ، أو نيل حظ مباح من حظوظ الدنيا ، كالاشتغال بالوعظ والتذكير والإمامة والتدريس وإظهار الصلاح والورع ، لتستبذل له الأموال وترغب في تزويجه النسوان أو خوف أن ينظر إليه بعين النقص والحقارة ، أو ينسب إلى الكسالة والبطالة كترك العجلة والضحك بعد اطلاع الناس عليه ، خوفا من أن يعرف باللهو والهزل فيستحقر ، وكالقيام للتهجد وأداء النوافل إذا وقع بين المجتهدين والمتنفلين لئلا ينسب إلى الكسالة ، ولو خلى بنفسه لم يتنفل مطلقا ، وكذا الامتناع من الأكل والشرب في اليوم الذي يصام فيه تطوعا ، وتصريحه بأني صائم ، خوفا من أن ينسب إلى البطالة ، وربما لم يصرح بكونه صائما ، بل يقول : لي عذر ، وحينئذ قد جمع بين رياءين : الرياء بكونه صائما ، والرياء بكونه مخلصا غير مراء . ثم إن ألجأته الكسالة والشهوة إلى عدم القيام إلى النوافل وعدم الصبر عن الأكل والشرب ، ذكر لنفسه عذرا ، تصريحا أو تعريضا ، كأن يتعلل الترك بمرض أو ضعف أو شدة العطش أو تطييب خاطر فلان ، وقس عليها غيرها من الكلمات والأعذار ، فإنها لا تسبق إلى اللسان إلا لرسوخ عرق الرياء في النفس ، والمخلص لا يريد غير الله والتقرب إليه ، ولا يعتني بالخلق وحصول المنزلة في قلوبهم ، فإن لم يصم لم يحب أن يعتقد غيره فيه ما يخالف علم الله ليكون ملبسا ، وإن صام قنع بعلم الله ولم يشرك فيه غيره . ثم هذه البواعث لما كان بعضها صادرا من رداءة قوة الغضب وبعضها من رداءة قوة الشهوة ، فيكون بعض أنواع الرياء من رذائل الأولى وبغضها من رذائل الثانية . تنبيه الرياء الجلي والخفي الرياء جلي وخفي ، والجلي : ما يبعث على العمل لولا قصد الثواب والخفي : ما لا يبعثه بمجرده إلا أنه يخفف العمل الذي أريد به التقرب في الخلوة ، ويعرف بالسرور إذا أطلع عليه الناس ، لا للمقاصد المتقدمة ، بل