ملا محمد مهدي النراقي

273

جامع السعادات

كقول يوسف ( ع ) : " إجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " ( 18 ) . حيث طلب المنزلة في قلب الملك بكونه حفيظا عليما ، وكان صادقا في قوله . وكذا طلبهما بإخفاء عيب من عيوبه ومعصية من معاصيه ، حتى لا يعلمه فلا تزول به منزلته في قلبه مباح غير مذموم ، إذ حفظ الستر على القبائح جائز ، بل لا يجوز هتك الستر وإظهار القبيح ، وهذا ليس فيه كذب وتلبيس بل هو سد لطريق العلم بما لا فائدة للعلم به ، كالذي يخفي عن السلطان أنه يشرب الخمر ولا يلقي إليه أنه ورع ، فإن قوله إنه ورع تلبيس ، وعدم إقراره بالشرب لا يوجب اعتقاد الورع ، بل يمنع العلم بالشرب ، وهو جائز شرعا وعقلا . فصل دفع إشكال في حب المال والجاه إن قيل : الوجه في حبهما بالعرض وفي حب قدر ما يضطر إليهما في المعيشة وضرورة البدن ظاهر ، فما الوجه في حبهما بأعيانهما وفي حب الزائد عن قدر الضرورة منهما ؟ كحب جمع المال ، وكنز الكنوز ، وادخار الذخائر ، واستكثار الخزائن وراء جميع الحاجات ، وحب اتساع الجاه وانتشار الصيت إلى أقاصي البلاد التي يعلم قطعا أنه قط لا يطؤها ولا يشاهد أهلها ليعظموه ويعينوه على غرض من أغراضه ، فإنه مع ذلك يلتذ به غاية الالتذاذ ويسر به غاية السرور ، حتى لا يجد في نفسه لذة أقوى منه ، ويراه فوق جميع لذاته وابتهاجاته . قلنا : الوجه في ذلك أمران : الأول - دفع ألم الخوف الناشئ من سوء الظن وطول الأمل . فإن الإنسان وإن كان له من المال ما يكفيه في الحال ، إلا أنه لطول أمله قد يخطر بباله أن المال الذي فيه كفايته ربما يتلف فيحتاج إلى غيره ، فإذا خطر ذلك بباله ، هاج الخوف في قلبه ، ولا يزول ألم الخوف إلا بالأمن الحاصل من وجود مال آخر يفزع إليه إن أصابت هذا المال آفة ، فهو أبدا لحبه

--> ( 18 ) يوسف الآية : 55