ملا محمد مهدي النراقي
274
جامع السعادات
للحياة وشفقته على نفسه يقدر طول الحياة وهجوم الحاجات ، ويقدر إمكان تطرق الآفات إلى الأموال ويستشعر الخوف من ذلك ، فيطلب ما يدفع خوفه ، وهو كثرة المال ، حتى إن أصيب بطائفة من ماله يفزع إلى الأخرى . وهذا خوف لا موقف له عند مقدار مخصوص من المال ، ولذلك لم يكن لميله موقف إلى أن يملك جميع ما في الدنيا ، ولذلك قال ( ص ) : " منهومان لا يشبعان : منهوم العلم ، ومنهوم المال " . ومثل هذه العلة تطرد في حب قيام المنزلة والجاه في قلوب الأباعد عن وطنه وبلده ، فإنه لا يخلو عن تقدير سبب يزعجه عن الوطن ، أو يزعج أولئك عن أوطانهم إلى وطنه ، ويحتاج إلى الاستعانة بهم ومهما كان ذلك ممكنا ، كان للنفس لذة وسرور بقيام المنزلة في قلوبهم ، لما فيه من الأمن من هذا الخوف . الثاني - أن الإنسان مركب من أصول مختلفة : هي القوة الشهوية ، والقوة السبعية ، والقوة الشيطانية ، والروح الذي هو أمر رباني ، ولذلك له ميل إلى صفات بهيمية ، كالأكل والوقاع ، وإلى صفات سبعية ، كالقتل والإيذاء ، وإلى صفات شيطانية ، كالمكر والخديعة والإغواء ، وإلى صفات ربوبية ، كالعلم والقدرة والكبر والعز والفخر والاستعلاء . فهو لما فيه من الأمر الرباني يحب الربوبية بالطبع ، ومعنى الربوبية التوحد بالكمال ، والتفرد بالوجود على سبيل الاستقلال ، والاستيلاء على جميع الأشياء بالغلبة ، واستناد الكل إليه بالصدور منه والمعلولية . وبالجملة : مقتضى الربوبية التفرد بالوجود والكمال ورجوع كل وجود وكمال إليه ، إذ هو التام فوق التمام ، ولا يتحقق ذلك إلا بالتفرد بالوجود والكمال والقدرة والاستيلاء على جميع ما عداه . إذ المشاركة في الوجود نقص لا محالة ، فكمال الشمس في أنها موجودة وحدها ، فلو كانت معها شمس أخرى كان ذلك نقصانا في حقها ، إذ لم تكن متفردة بكمال معنى الشمسية فإذا كان معنى الربوبية هو التفرد بالوجود والكمال ، وكل إنسان كان فيه أمر رباني ، فالتفرد بالوجود والكمال محبوب له بالطبع ، وضده - أعني العبودية - قهر على نفسه ، لأنه علم أن المتفرد بالوجود والكمال هو الله تعالى ، إذ ليس معه موجود سواه ، فإن ما سواه أثر من آثار قدرته