ملا محمد مهدي النراقي
261
جامع السعادات
عليه ، وقال - بعد عودته إلى صورته الأولى وإفاقته - : " ما ظننت أحدا من خلق الله هكذا ! قال له : فكيف لو رأيت إسرافيل ؟ إن العرش على كاهله ، وإن رجليه قد مرقتا تخوم الأرضين السفلى ، وإنه ليتصاغر من عظمة الله حتى يصير كالوصع ! " : أي كالعصفور الصغير . وقال ( ص ) : " مررت ليلة أسري بي - أنا وجبرئيل - بالملأ الأعلى كالحلس البالي من خشية الله " : أي كالكساء الذي يلقى على ظهر البعير . فأنظر إلى أعاظم الملائكة والنبيين ، كيف تصير حالهم من شدة الخشية والتعظيم ، وهذا إنما هو لقوة معرفتهم الله وجلاله ، وفرق ما لم يدركوه من عظمته وقدرته مراتب غير متناهية . فاختلاف الناس في مراتب الخوف والتعظيم والحب والأنس إنما هو بحسب اختلافهم في معرفة الله ، وليس يمكن أن يوجد من بلغ غايتها ، فاختلاف الناس إنما هو في القدر الذي يمكن أن يبلغ إليه ، والبلوغ إليه في الجميع أيضا نادر ، فالصادق في جميع المقامات عزيزا جدا . ومن علامات هذا الصدق : كتمان المصائب والطاعات جميعا ، وكراهة اطلاع الخلق عليها . وقد روي : " أن الله تعالى أوحى إلى موسى ( ع ) : أني إذا أحببت عبدا ابتليته ببلايا لا تقوى لها الجبال ، لأنظر كيف صدقه ، فإن وجدته صابرا اتخذته وليا وحبيبا ، وإن وجدته جزوعا يشكوني إلى خلقي خذلته ولم أبال " . وقال الصادق ( ع ) : " إذا أردت أن تعلم أصادق أنت أم كاذب ، فانظر في صدق معناك وعقد دعواك ، وغيرهما بقسطاط من الله عز وجل كأنك في القيامة ، قال الله عز وجل : " والوزن يومئذ الحق " ( 2 ) . فإذا اعتدل معناك بغور دعواك ثبت لك الصدق . وأدنى حد الصدق ألا يخالف اللسان القلب ولا القلب اللسان ، ومثل الصادق الموصوف بما ذكرنا كمثل النازع لروحه ، إن لم ينزع فماذا يصنع " ( 3 ) .
--> ( 2 ) الأعراف ، الآية : 7 ( 3 ) هذا الحديث في " مصباح الشريعة " : الباب 75 فصححناه عليه