ملا محمد مهدي النراقي

262

جامع السعادات

تنبيه اللسان أضر الجوارح إعلم أن أكثر ما تقدم من الرذائل المذكورة في هذا المقام : من الكذب والغيبة ، والبهتان ، والشماتة ، والسخرية ، والمزاح وغيرها ، وفي المقام الثالث - أعني التكلم بما لا يعني والفضول والخوض في الباطل - من آفات اللسان وهو أضر الجوارح بالانسان ، وأعظمها إهلاكا له ، وآفاته أكثر من آفات سائر الأعضاء ، وهي وإن كانت من المعاصي الظاهرة ، إلا أنها تؤدي إلى مساوئ الأخلاق والملكات . إذ الأخلاق إنما ترسخ في النفس بتكرير الأعمال ، والأعمال إنما تصدر من القلب بتوسط الجوارح ، وكل جارحة تصلح لأن تصدر منها الأعمال الحسنة الجالبة للأخلاق الجميلة ، وأن تصدر منها الأعمال القبيحة المورثة للأخلاق السيئة ، فلا بد من مراعاة القلب والجوارح معا بصرفهما إلى الخيرات ومنعهما من الشرور . وعمدة ما تصدر منه الذمائم الظاهرة المؤدية إلى الرذائل الباطنية هو اللسان ، وهو أعظم آفة للشيطان في استغواء نوع الإنسان ، فمراقبته أهم ، ومحافظته أوجب وألزم . والسر فيه - كما قيل - : إنه من نعم الله العظيمة ، ولطائف صنعه الغريبة ، فإنه وإن كان صغيرا جرمه ، عظيم طاعته وجرمه ، إذ لا يتبين الإيمان والكفر إلا بشهادته ، ولا يهتدي إلى شئ من أمور النشأتين إلا بدلالته ، وما من موجود أو معدوم إلا وهو يتناوله ويتعرض له بإثبات أو نفي ، إذ كل ما يتناوله العلم يعبر عنه اللسان إما بحق أو باطل ، ولا شئ إلا والعلم يتناوله . وهذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء ، إذ العين لا تصل إلى غير الألوان والصور ، والأذن لا تصل إلى غير الأصوات ، واليد لا تصل إلى غير الأجسام ، وكذا سائر الأعضاء ، واللسان رحب الميدان وسيع الجولان ، ليس له مرد ، ولا لمجاله منتهى ولا حد ، فله في الخير مجال رحب ، وفي الشر ذيل سحب ، فمن أطلق عذبة اللسان وإهماله مرخى العنان سلك به الشيطان في كل ميدان ، وأوقعه في أودية الضلالة والخذلان ، وساقه الله شفا جرف هار ، إلى أن يضطره إلى الهلاك والبوار ، ولذلك قال سيد