ملا محمد مهدي النراقي
260
جامع السعادات
صالحة " . وورد : " أنه إذا ساوت سريرة المؤمن علانيته ، باهى الله به الملائكة ، يقول : هذا عبدي حقا ! " . وكان بعض الأكابر يقول : " من يدلني على بكاء بالليل بسام بالنار ؟ " . ولنعم ما قيل : إذا السر والإعلان في المؤمن استوى * فقد عز في الدارين واستوجب الثنا وإن خالف الإعلان سرا فما له * على سعيه فضل سوى الكد والعنا كما خالص الدينار في السوق نافق * ومغشوشه المردود لا يقتضي المنى ومن جملة هذا الصدق : موافقة القول والفعل ، فلا يقول ما لا يفعل ولا يأمر بما لا يعمل . فمن وعظ ولم يتعظ في نفسه كان كاذبا . ومن هنا قال أمير المؤمنين ( ع ) : " إني والله ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها ، ولا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها " . السادس - الصدق في مقامات الدين : من الصبر ، والشكر ، والتوكل ، والحب ، والرجاء ، والخوف ، والزهد ، والتعظيم ، والرضا والتسليم ، وغير ذلك . وهو أعلى درجات الصدق وأعزها ، فمن اتصف بحقائق هذه المقامات ولوازمها وآثارها وغاياتها فهو الصديق الحق ، ومن كان له فيها ما يطلق عليه الاسم دون اتصافه بحقائقها وآثارها وغاياتها فهو كاذب فيها . أما ترى أن من خاف سلطانا أو غيره كيف يصفر لونه ويتعذر عليه أكله ونومه ويتنغص عليه عيشه ويتفرق عليه فكره وترتعد فرائصه وتتزلزل أركانه وجوانبه ؟ وقد ينزح عن وطنه ويفترق عن أهله وولده ، فيستبدل بالأنس الوحشة ، وبالراحة التعب والمشقة ، فيعترض للأخطار ويختار مشقة الأسفار ، كل ذلك من درك المحذور . فمثل هذا الخوف هو الخوف الصادق المحقق . ثم إن من يدعي الخوف من الله أو من النار ، ولا يظهر عليه شئ من ذلك عند إرادة المعصية وصدورها عنه ، فخوفه خوف كاذب . قال النبي ( ص ) : " لم أر مثل النار نام هاربها ، ولم أر مثل الجنة نام طالبها " . ثم لا غاية لهذه المقدمات حتى يمكن لأحد أن ينال غايتها ، بل لكل عبد منها حظ بحسب حاله ومرتبته ، فمعرفة الله وتعظيمه والخوف منه غير متناهية ، فلذلك لما رأى ( ص ) جبرئيل على صورته الأصلية ، خر مغشيا