ملا محمد مهدي النراقي

245

جامع السعادات

رجل آخر : " ويحك ! قطعت عنق صاحبك ، لو سمعها ما أفلح " وقال ( ص ) : " إذا مدحت أخاك في وجهه ، فكأنما أمررت على حلقه الموسى " . وقال أيضا لمن مدح رجلا : " عقرت الرجل عقرك الله ! " . وقال ( ص ) : " لو مشى رجل إلى رجل بسكين مرهف ، كان خيرا له من أن يثني عليه في وجهه " . والسر في هذه الأخبار : أن المدح يوجب الفتور عن العمل ، أو الكبر أو العجب ، وهو مهلك ، كقطع العنق والعقر وإمرار الموسى أو السكين على الحلق ، فإن سلم المدح عن الآفات المذكورة المتعلقة بالمادح والممدوح كان ممدوحا ، وإلا كان مذموما . وبذلك يحصل الجمع بين ما ورد في مدحه - كما تقدم - وما ورد في ذمه . فاللازم على المادح أن يحترز عما تقدم من الآفات المتعلقة به ، وعلى الممدوح أن يحترز من آفة الكبر والعجب والفتور والرياء ، بأن يعرف نفسه ويتذكر خطر الخاتمة ، ولا يغفل عن دقائق الرياء ، ويظهر كراهة المدح ، وإليه الإشارة بقوله ( ص ) : " أحثوا التراب في وجوه المداحين " . وبالجملة : اللازم على الممدوح ألا يتفاوت حاله بالمدح ، وهذا فرع معرفة نفسه ، وتذكر ما لا يعرفه المادح من عثراته . وينبغي أن يظهر أنه ليس كما عرفوه ، قال بعض الصالحين لما أثنى عليه : " اللهم إن هؤلاء لا يعرفون وأنت تعرفني " . وقال أمير المؤمنين ( ع ) لما أثنى عليه : " اللهم اغفر لي ما لا يعلمون ، ولا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني خيرا مما يظنون " . ثم الظاهر عدم المؤاخذة والإثم بالانبساط والارتياح بالمدح ، لكون النفوس مجبولة على الفرح والسرور بنسبة الكمال إليها ، ولكن بشرط أن يكره من نفسه ذلك الارتياح ، ويقهر نفسه ويعاتبها على ذلك ، ويجتهد في إزالة ذلك عنها ، إذ مقتضى العقل الفرح بوجود الكمال فيه لا بنسبته إليه ، فما ينسب إليه منه إن كان موجودا فيه ، فينبغي أن يكون فرحه به لا بنسبته إليه ، إذ الانبساط بتصريح رجل بأنك صاحب هذا الكمال حمق وسفه . وإن لم يكن موجودا فيه ، فاللازم أن يحزن ويغضب ، لكونه استهزاء لا مدحا . والحاصل : أن العاقل ينبغي ألا يسر بمدح الغير ولا يحزن بذمه ،