ملا محمد مهدي النراقي
244
جامع السعادات
في مقام بيان الكذب . وأما الضد العام للكل ، فقد يأتي في موضعه مع ما يدل بعمومه على ذم جميع آفات اللسان ، فهنا نشير إلى بيان المدح وما يحمد منه ، حتى يكون ضدا لها وفضيلة للقوة الغضبية أو الشهوية ، وما يذم منه حتى يكون رذيلة لإحداهما ، فنقول : لا ريب في أن مدح المؤمن في غيبته وحضوره ممدوح مندوب إليه ، لكونه إدخالا للسرور عليه ، وقد علم مدحه وثوابه ، ولما ورد من أن رسول الله ( ص ) أثنى على أصحابه ، وأنه قال لجماعة - لما أثنوا على بعض الموتى - : " وجبت لكم الجنة ، وأنتم شهداء الله في الأرض " . ولما ورد من " أن لبني آدم جلساء من الملائكة ، فإذا ذكر أحد أخاه المسلم بخير ، قالت الملائكة : ولك مثله ، وإذا ذكره بسوء ، قالت الملائكة : يا ابن آدم المستور عورته ، أربع على نفسك ! وأحمد الله إذ ستر عورتك " ولكنه ليس راجحا مندوبا على الإطلاق ، بل إذا سلم من آفاته ، وهي أن يكون صدقا لا يفرط المادح فيه ، بحيث ينتهي إلى الكذب ، وألا يكون المادح فيه مرائيا منافقا ، بأن يكون غرضه إظهار الحب مع عدم كونه محبا في الواقع سواء كان صادقا فيما ينسبه إليه من المدح أم لا ، وألا يمدح الظالم والفاسق وإن كان صادقا فيما يقول في حقه ، لأنه يفرح بمدحه ، وإدخال الفرح على الظالم أو الفاسق غير جائز ، قال رسول الله ( ص ) : " إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق " . فالظالم الفاسق ينبغي أن يذم ليغتم ولا يمدح ليفرح ، وألا يقول ما لا يتحققه ولا سبيل له إلى الاطلاع عليه . وهذه الآفة إنما تتطرق في المدح ، بالأوصاف المطلقة والخفية ، كقولك : إنه تقي ورع زاهد خير ، أو قولك : إنه عدل رضي ، وأمثال ذلك ، لتوقف الصدق في ذلك على قيام الأدلة والخبرة الباطنة ، وتحققهما في غاية الندرة . فالغالب أن المدح بأمثال ذلك يكون من غير تحقق وثبت ، وألا يحدث في الممدوح كبرا أو إعجابا يوجبان هلاكه ، ولا رضى عن نفسه وجب فتوره عن العمل ، إذ من أطلقت الألسنة بالثناء عليه يرضى عن نفسه ويظن أنه قد أدرك ، وهذا يوجب فتوره عن العمل ، إذ المتشمر له إنما هو من يرى نفسه مقصرا ، ولذلك قال رسول الله ( ص ) لرجل مدح بحضرته