ملا محمد مهدي النراقي
219
جامع السعادات
أبالي ، فمثله غرضه اللدد واللجاج . فتنحصر الخصومة الجائزة بمخاصمة المظلوم الذي يطلب حقه وينصر حجته بطريق الشرع من غير قصد عناد وإيذاء ، مع الاقتصار على قدر الحاجة في الخصومة من دون أن يتكلم بالزائد ولا بكلمات مؤذية ، ففعله ليس بحرام وإن كان الأولى تركه ما وجد إليه سبيلا ، إذ ضبط اللسان في الخصومة على حد الاعتدال متعذر أو متعسر ، لأنها توغر الصدر ، وتهيج الغضب ، وإذا هاج الغضب ذهب المتنازع فيه من البين ، واشتد الحقد بين المتخاصمين حتى يحزن كل واحد بمسرة صاحبه ويفرح بمساءته . فالخصومة مبدأ كل شر ، فينبغي ألا يفتح بابها إلا عند الضرورة على قدر الضرورة ، ولا يتعدى عن الواجب ، إذ أقل درجاتها تشوش الخاطر ، حتى إنه في الصلاة ليشتغل بمخاصمة الخصم ، ويتضمن الطعن والاعتراض ، أي التجهل والتكذيب ، إذ من يخاصم غيره إما يجهله أو يكذبه ، فيكون آتيا بسوء الكلام ، ويفوت به ضده ، أعني طيب الكلام ، مع ما ورد فيه من الثواب . وكذا الحال في المراء والجدال . وبالجملة : المراء والجدال والخصومة ، سوى ما استثنى ، من ذمائم الأفعال ومبادئ أكثر الشرور والفتن ، ولذا ورد بها الذم الشديد في الأخبار قال رسول الله ( ص ) : " من جادل في خصومة بغير علم ، لم يزل في سخط حتى ينزع " . وقال ( ص ) : " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " . وقال ( ص ) : " ما أتاني جبرئيل قط إلا وعظني ، فآخر قوله لي : إياك ومشادة الناس ، فإنها تكشف العورة وتذهب بالعز " . وقال أمير المؤمنين ( ع ) : " إياكم والمراء والخصومة ، فإنهما يمرضان القلوب على الأخوان ، وينبت عليهما النفاق " . وقال علي بن الحسين عليهما السلام : " ويل أمة فاسقا من لا يزال مماريا ! ويل أمة فاجرا من لا يزال مخاصما ! ويل أمة آثما من كثر كلامه في غير ذات الله ! " . وقال الصادق ( ع ) : " لا تمارين حليما ولا سفيها ، فإن الحليم يغلبك والسفيه يؤذيك " . وقال : " إياك والمشادة ، فإنها تورث المعرة وتظهر العورة " . وقال ( ع ) : " إياكم والخصومة ، فإنها تشغل القلب ، وتورث النفاق ، وتكسب