ملا محمد مهدي النراقي

158

جامع السعادات

بالكل ، فلا حسد بين العارفين ولا بين أهل العليين ، لعدم ضيق ومزاحمة في المعرفة ونعيم الجنة ، ولذا قال الله سبحانه فيهم : " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين " ( 13 ) . بل الحسد من صفات المسجونين في سجن السجين . فيا حبيبي ، إن كنت مشفقا على نفسك ، طالبا لعمارة رمسك ، فاطلب نعمة لا مزاحمة فيها ، ولذة لا مكدر لها . وما هي إلا لذة معرفة الله وحبه وأنسه ، والانقطاع إلى جناب قدسه ، وإن كنت لا تلتذ بذلك ، ولا تشتاق إليه ، وتنحصر لذاتك بالأمور الحسية والوهمية ، فاعلم أن جوهر ذاتك معيوب ، وعن عالم الأنوار محجوب ، وعن قريب تحشر مع البهائم والشياطين وتكون مغلولا معهم في أسفل السافلين . ومثلك في عدم درك هذه اللذة يختص بإدراكها رجال أصحاء . فكذلك لذة المعرفة يختص بإدراكها : " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " ( 14 ) . ولا يشتاق غيرهم إليها ، إذ الشوق بعد الذوق ، فمن لم يذق لم يعرف ، ومن لم يعرف لم يشتق ، ومن لم يشتق لم يطلب ، ومن لم يطلب لم يدرك ومن لم يدرك كان مطرودا عن العليين ، ممنوعا عن مجاورة المقربين ، محبوسا مع المحرومين في أضيق دركات السجين : " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين " ( 15 ) . فصل علاج الحسد لما علم أن الحسد من الأمراض المهلكة للنفوس ، فأعلم أن أمراض النفوس لا تداوي إلا بالعلم والعمل . والعلم النافع لمرض الحسد أن تعرف أنه يضرك في الدين والدنيا ، ولا يضر محسودك فيهما ، بل ينتفع به فيهما ، ومهما عرفت ذلك عن بصيرة وتحقيق ، ولم تكن عدو نفسك لا صديق

--> ( 13 ) الحجر ، الآية : 47 . ( 14 ) النور ، الآية : 37 . ( 15 ) الزخرف ، الآية : 36 .