ملا محمد مهدي النراقي

159

جامع السعادات

عدوك ، فارقت الحسد . وأما أنه يضر بدينك ويؤدي بك إلى عذاب الأبد وعقاب السرمد ، فلما علمت من الآيات والأخبار الواردة في ذمه وعقوبة صاحبه ، ولما عرفت من كون الحاسد ساخطا لقضاء الله تعالى ، وكارها لنعمه التي قسمها لعباده ومنكرا لعدله الذي أجراه في ملكه . ومثل هذا السخط والانكار ، لا يجابه الضدية والعناد لخالق العباد ، كاد أن يزيل أصل التوحيد والإيمان ، فضلا عن الإضرار بهما . على أن الحسد يوجب الغش والعداوة بالمؤمن ، وترك نصيحته وموالاته وتعظيمه ومراعاته ومفارقة أنبياء الله وأوليائه في حبهم الخير والنعمة له ، ومشاركة الشيطان وأحزابه في فرحهم بوقوع المصائب والبلايا عليه ، وزوال النعم عنه وهذه خبائث في النفس ، تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب . وأما إنه يضرك في الدنيا ، لأنك تتألم وتتعذب به ، ولا تزال في تعب وغم وكد وهم ، إذ نعم الله لا تنقطع عن عباده ولا عن أعدائك ، فأنت تتعذب بكل نعمة تراها لهم ، وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم ، فتبقى دائما مغموما محزونا ، ضيق النفس منشعب القلب ، باختيارك تجر إلى نفسك ما تريد لأعدائك ويريد أعداؤك لك . وما أعجب من العاقل أن يتعرض لسخط الله ومقته في الآجل ، ودوام الضرر والألم في العاجل ، فيهلك دينه ودنياه من غير جدوى وفائدة . وأما إنه لا يضر المحسود في دينه ودنياه فظاهر ، لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك . إذ ما قدره الله من النعم على عباده لا بد أن يستمر إلى وقته ، ولا ينفع التدبير والحيلة في دفعه ، لا مانع لما أعطاه ولا راد لما قضاه : " لكل أجل كتاب " . " وكل شئ عنده بمقدار " ( 16 ) . ولو كانت النعم تزول بالحسد ، لم تبق عليك وعلى كافة الخلق نعمة ، لعدم خلوك وخلوهم عن الحسد ، بل لم تبق نعمة الإيمان على المؤمنين ، إذ الكفار يحسدونهم ، كما قال الله سبحانه : " ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون " ( 17 ) .

--> ( 16 ) الرعد ، الآية : 40 ، 9 . ( 17 ) آل عمران ، الآية : 69 .