ملا محمد مهدي النراقي

142

جامع السعادات

ومنها : التكلم بما لا يعني أو بالفضول والمراد بالأول : التكلم بما لا فائدة فيه أصلا ، لا في الدين ولا في الدنيا ، والثاني - أعني فضول الكلام - : أعم منه ، إذ يتناول الخوض في ما لا يعني والزيادة في ما يعني على قدر الحاجة . فإن من يعنيه أمر ويتمكن من تقريره وتأديته وتأدية مقصوده بكلمة واحدة ، ومع ذلك ذكر كلمتين ، فالثانية فضول ، أي فضل على الحاجة . ولا ريب في أن التكلم بما لا يعني وبالفضول مذموم ، وإن لم يكن فيه إثم ، وهو ناش عن رداءة القوة الشهوية ، إذ الباعث عليه ليس إلا مجرد تشهي النفس وهواها . والسر في ذمه : أنه يوجب تضييع الوقت ، والمنع من الذكر والفكر ، وربما يبنى لأجل تهليله أو تسبيحه قصر في الجنة ، وربما ينفح من نفحات رحمة الله عند الفكرة ما يعظم جدواه . فمن قدر على أن يأخذ كنزا من الكنوز ، فأخذ بدله مدرة لا ينتفع بها ، كان خاسرا . فمن ترك ذكر الله والفكر في عجائب قدرته ، واشتغل بمباح لا يعنيه ، وإن لم يأثم ، إلا أنه قد خسر ، حيث فاته الربح العظيم بذكر الله وفكره . فإن رأس مال العبد أوقاته ، ومهما صرفها إلى ما لا يعنيه ، ولم يدخر بها ثوابا في الآخرة ، فقد ضيع رأس ماله . على أن الغالب تأدية الخوض في ما لا يعني وفي الفضول إلى الخوض في الباطل ، وربما أدى إلى الكذب بالزيادة والنقصان . ولذا ورد في ذمه ما ورد ، وقد روي : " أنه استشهد يوم أحد غلام من أصحاب النبي ( ص ) ، ووجد على بطنه حجر مربوط من الجوع ، فمسحت أمه التراب عن وجهه ، وقالت : هنيئا لك الجنة يا بني ! فقال النبي ( ص ) : وما يدريك ؟ لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ، ويمنع ما لا يضره ؟ " . وورد أيضا : " أن رسول الله ( ص ) قال لبعض أصحابه - وهو مريض - : أبشر . فقالت أمه : هنيئا لك الجنة ! فقال رسول الله ( ص ) : وما يدريك ؟ لعله قال ما لا يعنيه أو منع ما لا يعنيه ؟ " : يعني إنما تتهنأ الجنة لمن لا يحاسب ، ومن يتكلم فيما لا يعنيه حوسب عليه ، وإن كان كلامه مباحا ، فلا تتهنأ له الجنة مع المناقشة في الحساب ، فإنه نوع من العذاب . وروي : " أنه تكلم رجل