ملا محمد مهدي النراقي

143

جامع السعادات

عند النبي ( ص ) فأكثر ، فقال له النبي : كم دون لسانك من حجاب ؟ فقال : شفتاي وأسناني . فقال : أفما كان في ذلك ما يرد كلامك ؟ " . وفي رواية أخرى : " إنه قال ذلك في رجل أثنى عليه ، فاستهتر في الكلام ، ثم قال : ما أوتي رجل شرا من فضل في لسانه " . وروي : " أنه قدم رهط من بني عامر على رسول الله ( ص ) ، فشرعوا بالمدح والثناء عليه . فقال ( ص ) : قولوا قولكم ، ولا يستهوينكم الشيطان ! " ( 28 ) . ومراده ( ص ) : إن اللسان إذا أطلق الثناء ، ولو بالصدق ، فيخشى أن يستهويه الشيطان إلى الزيادة المستغنى عنها . وقال بعض الصحابة : " إن الرجل ليكلمني بالكلام وجوابه أشهى إلي من الماء البارد على الظمآن ، فأتركه خيفة أن يكون فضولا " . وقال بعض الأكابر : " من كثر كلامه كثر كذبه " . وقال بعضهم : " يهلك الناس في خصلتين : فضول المال ، وفضول الكلام " . فصل حد التكلم بما لا يعني التكلم بما لا يعني وبالفضول لا تنحصر أنواعه وأقسامه ، لعدم تناهيها وإنما حده أن تتكلم بما لو سكت عنه لم تأثم ، ولم تتضرر في شئ مما يتعلق بك ، ولم يعطل شئ من أمورك . مثاله : أن تحكي مع قوم أسفارك ، وما رأيت فيها من جبال وأنهار ، وما وقع لك من الوقايع ، وما استحسنته من الأطعمة والثياب ، وما تعجبت منه من مشايخ البلاد ووقائعهم . فهذه أمور لو سكت عنها لم تأثم ولم تتضرر ، ولا يتصور فيها فائدة دينية ولا دنيوية لأحد ، فإذا بالغت في الاجتهاد حتى لا تمتزج بحكايتك زيادة ونقصان ، ولا تزكية نفس من حيث التفاخر بمشاهدة الأحوال العظيمة ، ولا اغتياب شخص ولا مذمة شئ مما خلقه الله ، فإنك مع ذلك كله مضيع وقتك . ثم كما إن التكلم بما لا يعنيك مذموم ، كذلك سؤالك غيرك عما لا يعنيك مذموم ، بل هو أشد ذما ، لأنك بالسؤال مضيع وقتك ، وقد ألجأت أيضا صاحبك بالجواب إلى تضييع وقته . وهذا إذا كان الشئ مما لا يتطرق

--> ( 28 ) صححنا أحاديث الباب كلها على ( إحياء العلوم ) : 3 / 93 - 99 ، وعلى ( كنز العمال ) : 2 / 130 ، 184 .