ملا محمد مهدي النراقي

141

جامع السعادات

ومجالس الخمر ، ومقامات الفساق ، وتنعم الأغنياء ، وتجبر الملوك ومراسمهم المذمومة وأحوالهم المكروهة ، وأمثال ذلك . فكل ذلك من رداءة القوة الشهوية وخباثتها . ثم لما كانت أنواع الباطل غير محصورة لكثرتها ، فالخوض فيه أيضا كذلك ، وتكون له أنواع غير متناهية ، ولا يفتح باب كلام إلا وينتهي إلى واحد منها ، فلا خلاص منه إلا باقتصار الكلام على قدر الحاجة من مهمات الدين والدنيا . وربما وقعت من الرجل من أنواع الخوض في الباطل كلمة تهلكه وهو مستحقر لها ، فإن أكثر الخوض في الباطل حرام ، ولذا قال رسول الله ( ص ) : " أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل " . وإليه الإشارة بقوله تعالى : " وكنا نخوض مع الخائضين " ( 25 ) . وقوله تعالى : " فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره " ( 26 ) . وقال ( ص ) : " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ، ما يظن أن تبلغ ما بلغت ، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة . وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ، ما يظن أن تبلغ ما بلغت ، فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة " ( 27 ) . وقال سلمان الفارسي - رضي الله عنه - : " أكثر الناس ذنوبا يوم القيامة ، أكثرهم كلاما في معصية الله " . وكان رجل من الأنصار يمر على مجلس الخائضين في الباطل ، فيقول لهم : " توضؤا ، فإن بعض ما تقولون شر من الحدث " . ثم الخوض في الباطل هو ذكر محظورات سبق وجودها بمجرد شهوة النفس ، من دون حاجة داعية إليه ، فلا مدخلية له بمثل الغيبة والنميمة والفحش والمراء والجدال وأمثالها ، ويدخل فيه الخوض في حكايات البدع والمذاهب الفاسدة ، فإن الحديث عنها خوض في الباطل ، وورد النهي عنه .

--> ( 25 ) المدثر ، الآية : 45 . ( 26 ) النساء ، الآية : 139 . ( 27 ) صححناه على كنز العمال : 2 / 112 .