السيد حيدر الآملي
484
جامع الأسرار ومنبع الأنوار
وزال صفاؤهم الفطرىّ ، وبقي كدرهم الكسبىّ . وصاروا معجبين بأنفسهم ، متكبّرين على غيرهم ، بحيث لا يرى كلّ واحد منهم ( من هو ) أكبر منه قدرا أو أعظم « 1 » منه علما . ويصدر من كلّ واحد منهم بالنسبة إلى الآخر ( ما صدر عن إبليس ) : * ( أَنَا خَيْرٌ مِنْه ، خَلَقْتَنِي من نارٍ وخَلَقْتَه من طِينٍ ) * « 2 » أي جعلتني عالما عظيما شريفا ، وجعلته جاهلا حقيرا ذليلا ، فأنا خير منه . نعوذ باللَّه من هذا المقام ! ( 984 ) وكأنّه في أمثال هؤلاء ودعواهم بأنّهم من عباده العلماء ، وفي الذي يقول ما لا يعرف ويفعل ما لا يعلم « 3 » ، نزلت هذه الآيات ووردت هذه الكلمات ، وهي قوله تعالى * ( ولَوْ لا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُه في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيه عَذابٌ عَظِيمٌ ، إِذْ تَلَقَّوْنَه بِأَلْسِنَتِكُمْ وتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ به عِلْمٌ وتَحْسَبُونَه هَيِّناً وهُوَ عِنْدَ الله عَظِيمٌ ، ولَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوه قُلْتُمْ : ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا . سُبْحانَكَ ! هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ، يَعِظُكُمُ الله أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِه أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ « 4 » ، ويُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآياتِ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) * « 5 » . جلَّت كلمته وعظمت رحمته ، فإنّها منبع الحكم ومعدن المواعظ ومأخذ العلوم ومشرب المعارف * ( ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إِلَّا في كِتابٍ مُبِينٍ ) * « 6 » . ( 985 ) والغرض أنّهم لو عرفوا قدر أنفسهم أو قدر عظمة الله ، لما ادّعوا معرفته ولا معرفة أنفسهم بمعاونة عقولم الضعيفة وأفكارهم الركيكة ، ولعرفوا ما قال أولياؤه الكاملون وأنبياؤه المرسلون ، كقول
--> « 1 » أو أعظم : وأعظم MF « 2 » أنا خير . . : سورة 7 ( الأعراف ) آيهء 11 « 3 » وفي الذي . . . ما لا يعلم M : ومن الذين يقول ما يعرف ما يفعل ما يعلم F « 4 » مؤمنين F : موقنين M « 5 » ولولا فضل . . . حكيم : سورهء 24 ( النور ) آيهء 14 - 17 « 6 » ولا رطب . . : سورهء 6 ( الانعام ) آيهء 59