الشيخ الطبرسي
804
تفسير جوامع الجامع
هذا استفْهامٌ عن انتِفَاءِ " الشَّرْحِ " على وَجْهِ الإِنْكَارِ ، فَأَفَادَ إثْباتَ الشَّرْحِ وإيْجَابَهُ ، فكأَنَّهُ قَالَ : " شَرَحْنَا لَكَ صَدْرَكَ " ولذلِكَ عَطَفَ عليهِ ( وَضَعْنَا ) اعتبَاراً للمعنى ، ومعنى " شَرَحْنا لكَ صَدْرَكَ " : فَسَحْنَاهُ حتَّى وَسِعَ دَعْوَةَ الثَّقَلَيْنِ ، أو : فَسَحْنَاهُ بما أَودَعْنَاهُ من العُلُومِ والحِكَمِ ، وعن الحَسَن : مُلِئَ حِكْمَةً وعِلْماً ( 1 ) . والوِزْرُ ( الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ) أي : حِملُهُ عَلَى النَّقِيضِ وهو صَوتُ الانتِقَاضِ والانِفِكاكِ ، مَثَلٌ لِمَا كَانَ يَثْقُلُ على رَسُولِ اللهِ من تَحَمُّلِ أَعْباءِ النُّبوَّةِ ، وما كانَ يُصيبُهُ من أَذَى الكفَّارِ مع شِدَّةِ حرْصِهِ على إسْلامِهِم ، وَوَضَعَ ذلك عنْهُ بأَن أيَّدَهُ بالمُعْجِزَاتِ ، وأَنْزَلَ السَّكينةَ عليهِ ، وعَلَّمَهُ الشَّرائِعَ ومَهَّدَهُ عذْرَهُ بعدَ أَن بَلَّغَ . وَرَفَعَ ذِكْرَهُ وهو أَن قَرَنَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِ اللهِ في كلمةِ الشَّهَادةِ والأَذَانِ والإِقَامَةِ والتَّشَهّدِ والخُطَبِ وفي القُرآنِ ، وبأَنْ ذَكَرَهُ في الكُتُبِ المتَقَدِّمَةِ ، وأَخَذَ على الأَنبياءِ والأُمَمِ أن يؤْمِنُوا بهِ . والفائِدَةُ في زيادَةِ ( لَكَ ) وإنْ كانَ المعنى يَستَقِلُّ بدُونِهِ ، هي ما في طَريقَةِ الإِبْهامِ والإِيْضَاحِ ، فَكَأَنَّهُ لمَّا قَالَ : ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ ) فُهِمَ أَنْ ثَمَّ مَشْرُوحاً ، ثمَّ قَالَ : ( صَدْرَك ) فأَوضَحَ ما كانَ مُبْهَماً . وكذلكَ قَولُهُ : و ( لَكَ ذِكْرَكَ ) و ( عَنْكَ وِزْرَكَ ) . ولَمَّا ذَكَرَ سبحانَهُ ما أَنْعَمَ بهِ على رسُولِهِ من جَلائِلِ النِّعَمِ ، وقد كانَ المشْركُونَ عَيَّرُوهُ بالفَقْرِ حتَّى ظَنَّ أنَّهم إنَّما رَغبُوا عن الإِسلامِ لافتقَارِ أَهْلِهِ واحتقَارِهِم عَقَّبَ ذلكَ بقَولِهِ : ( فَإنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ) فَكَأَنَّهُ قَالَ : خَوَّلْنَاكَ ما خَوَّلْناكَ تَفَضُّلاً وإنْعاماً فَلاَ تَيْأَسْ من فَضْلِنا ، فإنَّ مع العُسْرِ الذي أَنْتَ فيهِ يُسْراً . وَقَرَّبَ " الْيُسْرَ " المُتَرَقَّبَ بلَفْظَةِ ( مَعَ ) التي هي للصُّحْبَةِ ، حتَّى جَعَلَهُ كالمقَارِنِ للعُسْرِ زيَادةً في تَسْليتِهِ وتَقْويةً لِقَلْبِهِ .
--> ( 1 ) تفسير الحسن البصري : ج 2 ص 426 .