الشيخ الطبرسي

769

تفسير جوامع الجامع

الأَعلى تَبارَكَ وتَعالى . وقُرئَ : " قَدَرَ " بالتَّخفيفِ ( 1 ) ، وهو قِراءَةُ عليٍّ ( عليه السلام ) ( 2 ) والمعنى واحِدٌ . ( أحْوَى ) صِفَةٌ لِ ( غُثَاءً ) ، أي : ( أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ ) بَعْدَ خُضْرَتِهِ ورَفيفِهِ ( غُثَاءً أَحْوَى ) أي : دَرِيناً أَسْوَدَ ، ويجُوزُ أن يكُونَ ( أَحْوى ) حالاً مِن ( الْمَرْعَى ) أي : أَخْرَجَهُ أَحْوىً : أَسْودَ من شِدَّةِ الخُضْرَةِ والرَّيِّ ، فَجَعَلَهُ غُثَاءً بَعْدَ حُوَّتِهِ . ( سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى ) هذهِ بِشَارَةٌ بَشَّرَ نَبيَّهُ عليه الصلاة والسلام بهَا ، وهو أَن يَقْرأَ عليه جبرائيل ( عليه السلام ) ما يَقْرؤُهُ من الوَحْيِ ، وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرأُ ولا يكتُبُ ، فَيَحْفظُهُ ولا يَنْسَاهُ . ( إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ ) فَذَهَبَ بهِ عن حِفْظِهِ بِرَفْعِ حُكْمِهِ وتِلاَوتِهِ ، كَمَا قَالَ : ( أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْها ) ( 3 ) ، وهذهِ آيةٌ بيِّنةٌ ومُعْجِزَةٌ دالَّةٌ على نُبوَّتِهِ . ( إِنَّه يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ) معنَاهُ : أنَّه يعْلَمُ ما تَجْهَرُ بقِرَاءتِهِ مع جبرائيلِ مخَافَةَ التَفَلُّتِ وما تُخْفي في نَفْسِكَ ، أو : يَعْلَمُ ما أَعْلَنْتُم وما أَخْفَيْتُم من أَقوالِكُم وأَفعالِكُم وأَعمالِكُم ، وما ظَهَرَ وما بَطَنَ من أَحوالِكُم ، وما هو مَصْلَحَةٌ في دينِكُم وما هو مَفْسَدَةٌ فيهِ . ( وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسرَى ) مَعْطُوفٌ على : ( سَنُقْرِئُكَ ) ، وقَولُهُ : ( إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ ومَا يَخْفَى ) اعْتِرَاضٌ ، والمعنى : ونُوفِّقُكَ للطريقةِ التي هي أَيْسَرُ وأَسْهَلُ ، يعني : حِفظَ الوَحْيِ وتَسْهيلَهُ ، وقيلَ للشَّريعةِ الحَنيفيَّةِ : السَّمْحَةُ التي هي أَيْسَرُ الشَّرائعِ وأَسْهَلُها مأْخَذاً . ( فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الْذِّكْرَى ) أي : ذَكِّرْ الخَلْقَ وَعِظْهُم ، وَكَرِّرِ التَّذكيرَ بَعْدَ إلْزَامِ

--> ( 1 ) قرأه الكسائي وحده . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 680 . ( 2 ) حكاه عنه ( عليه السلام ) الفرَّاء في معاني القرآن : ج 3 ص 256 . ( 3 ) البقرة : 106 .