الشيخ الطبرسي
67
تفسير جوامع الجامع
ثمَّ تَزَوَّجَها ( 1 ) وقيلَ : إنَّ الَّذي أخْفَاهُ هو اللهُ سبحانَهُ أَعْلَمَهُ أنَّها ستكونُ من أَزْواجِهِ وأنَّ زَيْداً سيُطَلِّقُها ( 2 ) فأبدى سبحانَهُ ما أَخْفَاهُ في نفسِهِ بقَولِهِ : ( زَوَّجْنَكَهَا ) ، ولَمْ يَردْ سبحانَهُ بقولِهِ : ( واللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَهُ ) خشيةَ التَّقوى ؛ لأنَّهُ صَلَواتُ الله عليه كانَ يتَّقي اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ويَخْشَاهُ فيما يَجبُ أن يَخْشَاهُ فيه . ولكنَّ المُرادَ خِشْيَتُهُ الاستحياءَ ، لأنَّ الحَيَاءَ من الشِّيمةِ الكريمةِ ، وقَد يستَحي الإِنسانُ ويَتَحَفَّظُ من شيء هو في نفسِهِ مُبَاحٌ حلالٌ عند اللهِ ، لئلاَّ يُطلقُ الجُهَّالُ الذين لا يعرفونَ حقائقَ الأُمورِ أَلْسِنَتَهُمْ فيه ، أَلاَ تَرَى أنَّهُمْ إذا طَعمُوا في بيوتِهِ كانُوا يَستأْنسُونَ بالحديثِ ولا يَريمُونَ ( 3 ) ، فكانَ يؤذيهِ قُعُودُهُم ، ويَصُدُّهُ الحَياءُ أنَ يأْمرَهُم بالانتشارِ حتّى نَزَلَتْ : ( إنَّ ذلِكمْ كَانَ يُؤذِي النَّبيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ) ( 4 ) فأَخْبَرَ اللهُ سبحانَهُ النَّاسَ بمَا كانَ يُضْمِرُهُ الرَّسولُ صَلَواتُ الله عليه وآله وعَاتَبَهُ عليهِ ، وكَأَنَّه سبحانَهُ أرادَ منهُ أَن يقولَ لزيد : أَنت أَعلمُ بشأنِكَ ، أَو يَصمت عند قَولِهِ : أُريدُ مفَارقَتَها ليكونَ ظاهرُهُ مُطابِقاً لباطِنِهِ . كما جَاءَ في حَديثِ إرادةِ رسول اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قَتْلَ عبد اللهِ بنِ سعدِ بن أبي سرح وقد كانَ أَهْدَرَ دمَهُ قبلَ ذلكَ ، واعترضَ عثمانُ له بالشَفَاعةِ : أنَّ عبَّادَ بنَ بشير قالَ لَهُ : يا رسول الله ، كانَ عيني إلى عينِكَ انتظار أن تُومئ إليَّ فأَقْتُلُهُ ، فقالَ ( عليه السلام ) : " إنَّ الأنبياءَ لا تكونُ لَهُم خائنةُ الأعينِ " فَلَمْ يَستجز الإِشارةَ بقَتْلِ كافِر وإنْ كانَ مبَاحَاً . والواو فِي ( وَتُخْفِى في نَفْسِكَ ) ، ( وَتَخْشَى النَّاسَ ) ، ( وَاللهُ أَحَقُّ أَن
--> ( 1 ) المصدر السابق . ( 2 ) قاله الحسن كما في تفسير الماوردي : ج 4 ص 406 . ( 3 ) رَامَ يَريمُهُ رَيْماً للمكانِ : أَي بَرِحَهُ . ( الصحاح مادة ريم ) . ( 4 ) الآية : 53 .