الشيخ الطبرسي

654

تفسير جوامع الجامع

قُلْنا : ما هذا إلاَّ لأَمْر أَرَادَهُ اللهُ بأهل ( الأَرْضِ ) ولا يَخْلُو من أَن يكُونَ شَرَّاً أَو ( رَشَداً ) أي : عَذَاباً أو رَحْمَةً . ( وَأنَّا مِنَّا الْصَّلِحُونَ ) الأَبْرارُ المُتَّقُونَ ( وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ ) أي : ومِنَّا قَوْمٌ دونَ ذلك في الرُّتبْةِ ، فَحُذِفَ المَوصُوفُ وهم المقْتَصِدُونَ في الصَّلاحِ ، أو : أَرادُوا الطَّالحينَ ( كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً ) أي : ذَوي مَذَاهِبَ مخْتَلَفة ، وهو بَيَانٌ للقِسْمَةِ المذْكُورةِ ، أو : كنَّا في طَرائِقَ مخْتَلَفة كَقَولِهِ : كَمَا عَسَلَ الطَّريقَ الثَّعلبُ ( 1 ) . أو : كانَتْ طَرائِقُنا طَرَائِقَ قِدَداً ، على حَذْفِ المضَافِ الذي هو " طَرائِق " وإقَامَةِ الضَّميرِ المُضَافِ إليهِ مَقَامُهُ . والقِدَّةُ من : قَدَّ ، كالقِطْعَةِ من : قَطَعَ . وقَولُهُ : ( فِي الأَرْضِ ) و ( هَرَباً ) حَالاَنِ . أي : لَنْ نُعْجِزَ اللهَ كائِنينَ في الأَرضِ أَيْنَما كُنَّا ، ولَنْ نُعْجِزَهُ هَاربينَ منْها إلى السَّمَاءِ ، وقيلَ : لَنْ نُعْجِزَهُ في الأَرضِ إِنْ أَرادَ بنا أَمْراً ، ولَنْ نُعْجِزُهُ في الأَرضِ هَرَباً إِنْ طَلَبَنا ( 2 ) . وَالظَّنُّ : بمعنَى اليَقينِ ، وهذه صِفَةُ الجِنِّ وأَحْوالُهُم وعَقَائدُهُم ، فَمِنْهم أَخْيارٌ وأَشْرَارٌ ومُقْتَصدُونَ ، واعتقَادُهُم أنَّ اللهَ عَزيزٌ لا يفُوتُهُ مَطْلَبٌ ، ولا يُنْجِي عنْهُ مَهْرَبٌ . ( وَأنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى ) وهو القُرآنَ ( ءَامَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ ) فَهُو ( لاَ يَخَافُ بَخْساً ) أي نُقْصَاناً فيما يستَحِقُّهُ من الثَّوابِ ( وَلاَ رَهَقاً ) أي : لِحَاقَ ظُلْم ، وقيلَ : لا يَخَافُ نَقْصاً من حَسَنَاتِهِ ولا زيَادَةً في سيِّئاتِهِ ، ورُوِيَ ذلك عن ابنِ عبَّاس والحَسَنِ وقَتَادَةً ( 3 ) ، ودَخَلَتِ الفَاءُ لأنَّ الكَلامَ في تَقْديرِ المبتَدَأ والخَبَر ، ولَوْلاَ ذلكَ لِقيلَ : لا يَخَفْ ، والفَائِدَةُ في إدْخَالِ الفاءِ وتَقْديرِ الابتدَاءِ الدَلاَلةُ

--> ( 1 ) وصدره : لَدنٌ بِهَزِّ الكفِّ يَعْسِلُ متْنُهُ . . . فيه كما . لساعدة بن جؤيّة الهُذلي من قصيدة طويلة له ، وشعره محشوّ بالغريب والمعاني الغامضة أُنظر المؤتلف والمختلف : ص 83 . ( 2 ) قاله البغوي في تفسيره : ج 4 ص 403 . ( 3 ) راجع التبيان : ج 10 ص 152 .